يصف المقدسيون القدس المحتلة وخاصة الشطر الشرقي منها بـ«المدينة اليتيمـــة». وتتصاعــد لانتهـــاكـات والاعتداءات الإسرائيلية فيها وسط غياب أي دور للقيادة الفلسطينية. وعملت الحكومــة الإسرائيلية وفق أجنداتها لتعزيز سياسة الردع من خلال هدم المنازل واعتقال المواطنين المقدسيين الوطنييـــن والنشـطاء السياسيين والأمنيين للحد من مخاطر ظهور تحدٍ لسيطرتها على القدس.

ولم تدم الفرصة التي مُنحت للقيادة الفلسطينية لاكتساب موطئ قدم في المدينة وتطوير مؤسسات وطنية طويلاً، حيث امتدت بشكل غير رسمي من أواسط الثمانينيات مع افتتاح بيت الشرق، مقر منظمة التحرير الفلسطينية، ورسمياً من توقيع اتفاق أوسلو العام 1993، وحتى إغلاق بيت الشرق في 2001 ، وبداية الانتفاضة الثانية التي شكلت تطورا خطيرا تمثل في تراجع نفوذ السلطة والأجهزة الأمنية في المدينة المقدسة، حيث تُرك المقدسيون عرضة لتنكيل الاحتلال وجنوده وقوانينه العنصرية والإقصائية.

20 مؤسسة

ويوضح الناشط رمزي المقدسي لـ«البيان» أن إسرائيل قامت مع بداية الانتفاضة الثانية بإغلاق أكثر من 20 مؤسسة في المدينة يشك بأنها على علاقة برام الله؛ وعززت من فرض الأنظمة التي تعيق العلاقات بين القدس والضفة الغربية. ومن ثم، جاء دور الجدار العازل، الذي بدأ بناؤه العام 2002 والذي أضعف قدرة سكان الضفة الغربية على الالتفاف على القيود التي وضعتها إسرائيل على الدخول إلى القدس في مطلع التسعينيات. ويضيف: «لم تتعاف الحياة السياسية الفلسطينية في القدس الشرقية منذ ذلك الحين حيث حظرت إسرائيل النشاط الوطني في المدينة، ولم تتمكن أي قيادة من إعادة التجذر هناك من جديد ».

نفوذ محدود

ومن جهتها، تشير الناشطة المقدسية شيرين صندوقة العاملة في فعاليات القدس عاصمة للثقافة العربية لـ«البيان» إلى أن السلطة «ما تزال هي مصدر التوظيف والرواتب بالنسبة لعدة آلاف من سكان القدس، وتتحكم بالمناهج التعليمية في معظم المدارس، وتدير المحكمة الشرعية وامتحانات المدارس الفلسطينية. لكن فيما يخص معظم النواحي الأخرى، فإن نفوذ السلطة ومنظمة التحرير في المدينة محدود، خاصةً أن الأموال المحدودة التي بحوزتها يمكنها أن تتصرف بها فقط من خلال أطراف ثالثة تتمثل في مؤسسات أهلية». وتردف: «شح الموارد المخصصة للقدس والمقدسيين لا تزال نقطة نزاع بين المواطنين في القدس الشرقية - المهددين بالترحيل ومصادرة ممتلكاتهم وبيوتهم وفقدان هوياتهم المقدسية وحقهم في التواجد في المدينة المقدسة - وبين السلطة في رام الله».

مراقبة إسرائيلية

ولا تفوت بلدية الاحتلال في القدس والحكومة الإسرائيلية مجتمعة بوزرائها ومستشاريها واحزابها فرصة واحدة لإحباط أي جهد فلسطيني أو نشاط يمكن أن يعزز الدور الفلسطيني في المدينة. فسرعان ما أحبطت جهود رئيس الوزراء سلام فياض لتوسيع حضور السلطة في القدس العام 2010. وكذلك لقيت محاولات السلطة الفلسطينية في 2009 لتنظيم فعاليات احتفالاً بتسمية القدس «عاصمة ثقافية للعالم العربي» نفس المصير، على الرغم من استمرارها لغاية الآن بفعاليات وأنشطة تنفذ بصعوبة بالغة ومعيقات جمة.

أجهزة أمنية

وبموازاة ذلك، فقدت الأجهزة الأمنية الفلسطينية قدرتها على العمل في المدينة. ففي السابق كانت تمارس دورا فاعلا في التعامل مع الجرائم ذات الطابع الأمني، أي التي تتعلق بالأسلحة والمخدرات، وكذلك بيع الأرض للإسرائيليين، وخاصة جهاز الأمن الوقائي الذي كان قادراً على ممارسة درجة معينة من النفوذ، وهو ما ساعد في المحافظة على النظام في المدينة. لكن مع اندلاع الانتفاضة الثانية، اختفى التساهل مع نشاط قوات أمن السلطة الفلسطينية. فمنذ 2003، مُنع سكان القدس من العمل في قوات أمن السلطة الفلسطينية التي صار عناصرها يعملون في الخفاء ويتدخلون في بعض القضايا الاجتماعية فقط.

فصائل فلسطينية

الحركات السياسية الرئيسية خسرت نفوذها في القدس المحتلة. فحركة فتح الفصيل الفلسطيني الاكبر، غير موجودة في القدس بشكل حقيقي. ويرى المحلل السياسي محمود أبو الرب في حديث لـ«البيان» أن تراجع نشاط حركة فتح في القدس «نتيجة حتمية للمراقبة الإسرائيلية وسياسة الاعتقال والابعاد والحرمان من الاقامة وهدم البيوت والتهديد بالطرد عن المدينة وكل ما أعقب اندلاع الانتفاضة الثانية من اجراءات وقوانين مجحفة بحق الفلسطينيين». البيان