تمضي الاطراف الثلاثة في العملية السلمية في طريق التفاوض وسط قلق وحذر تفرضه معايير ومحددات كثيرة ترتبط باستئناف المفاوضات قانونيا وشعبيا ورسميا ودوليا. ويختار اللاعبان الإسرائيلي والفلسطيني شكل وجودهما على الملعب الأميركي في واشنطن الذي فتح للوفدين مضمار السباق في الكسب والتنازل معا وصولا لاتفاق. ويتسلح الفريقان مجتمعين كل بسلاحه الخاص في منازلة الخصم الآخر، اذ يحتمي الإسرائيلي بدرع التعنت مهاجما بمتطلبات كثيرة بينما يواجه الجانب الفلسطيني بشروط مختلفة، فتنتهي المعركة ولا يتنازل عنها. وتمارس الإدارة الأميركية دورها بميوعة ويدير وزير الخارجية جون كيري العملية بتحايل، ويتدخل مبعوث السلام مارتن انديك بخبرة ومعرفة لنقاط الضعف عند الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي حيث يضع ما تقدمه إدارته من إغراءات، ملوحاً بأشكال التهديد المختلفة في مقابل نقاط القوة التي يمتلكها الجانبان بتفاوت واضح يفرضه الراعي الأميركي غير النزيه للمفاوضات، و في ظل غياب الموقف الموحد من العملية السلمية فلسطينيا وإسرائيليا وأميركيا.
تباين المواقف
وسادت الاعتراضات في أوساط القيادة الفلسطينية على قرار استئناف المفاوضات مع إسرائيل وفق خطة وزير الخارجية الأميركي، حيث أبدت فصائل منظمة التحرير كافة في مواقف علنية وأخرى خلال اجتماعات اللجنة التنفيذية للمنظمة معارضة حادة للخطة، خاصة عدم تضمنها التزاما إسرائيليا بالحدود المحتلة العام 1967 ووقف الاستيطان. ولكن بمزيد من التحايل، الذي يتقنه، استطاع كيري سحب الرئيس محمود عباس إلى جانبه بعيدا عن الرفض الشعبي والفصائلي لاستئناف المفاوضات. وفي ظل الحوار والنقاش، كان من الصعب الوصول إلى موقف فلسطيني موحد في ظل الخلافات القائمة نظرا لضيق الوقت وتسارع الإحداث في يومين أخيرين بذل فيهما كيري قصارى جهده لحسم الموقف والعودة للمفاوضات، في حين مازالت الأطراف الفلسطينية الرافضة والمتشائمة من هذه العملية التفاوضية الفضفاضة مصرة على موقفها تتابع سير العملية الانتخابية بقلق وحرص شديدين.
عباس والأسد
وفي إسرائيل، قوبلت موافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو على استئناف محادثات السلام مع الفلسطينيين برعاية أميركية بتشكك واستخفاف من قبل بعض أعضاء الائتلاف اليميني الحاكم بمن فيهم أعضاء من حزبه. وسخر وزير النقل من عباس الذي تدير حكومته الضفة الغربية المحتلة فيما تسيطر حركة حماس على قطاع غزة، قائلا: «ما يسيطر عليه أبو مازن من الفلسطينيين أقل مما يسيطر عليه الأسد في سوريا». وأضاف: «تماما مثلما لا يفكر أحد في التنازل عن أي أراض للأسد في ظل الوضع الراهن، فإن أحدا لن يفكر بجدية في التنازل عن أراض لأبي مازن في وقت لا يسيطر فيه على أغلب السكان».
لا جدوى
ومن جهته، يقول الكاتب الفلسطيني طارق الكرمي: «أكاد أجزم أن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي المجتمعين في واشنطن على يقين بعدم جدوى مثل هذه المفاوضات وان كلا منهما تم جره من قبل الإدارة الأميركية بأساليب مختلفة، وذلك لأن واشنطن تبحث لنفسها عن نجاح في الشرق الأوسط في ظل فشلها في حسم ملفات مهمة أخرى تتعلق بسوريا وإيران ومصر، بينما اضطر الإسرائيليون والفلسطينيون إلى الاستجابة إليها منعا لتحميل أي منهما مسؤولية اعاقة او افشال مباحثات السلام وما يجره ذلك من تبعات وويلات قد لا تكون الظروف الإسرائيلية والفلسطينية جاهزة لها».
معاني الحل
يقول الكاتب جواد البشيتي ان الوسيط جون كيري «لم ينجح، على كثرة وعِظَم ما بذله من جهود ومساعٍ، في التأسيس لحلول نهائية للمشكلات الكبرى؛ لكنَّه يَتَوقَّع أنْ ينجح في التأسيس لحلٍّ فيه من معاني الاحتيال أكثر كثيراً ممَّا فيه من معاني الحل». ويردف: «أحسبُ أنَّه يحاوِل شقَّ الطريق إلى حلِّ الدولتين عن طريق حلِّ المشكلات التي يمكن حلها الآن، وتَرْك المشكلات التي يستعصي حلها الآن إلى المستقبل والواقع الذي يمكن أنْ يأتي بما يَجْعَل الأمر الواقع حلاًّ لها». البيان