بات واضحا أن الأوضاع في تونس تتجه نحو التصعيد في ظل تمسّك حركة النهضة بالحكم ورفضها الانصياع لمطالب غالبية التونسيين. وعبّر عن هذا الرفض رئيس الحركة راشد الغنوشي بعد لقائه أول من أمس الرئيس المنصف المرزوقي، حيث أكّد أن المجلس التأسيسي «خطّ أحمر لا يحق لأي طرف الاقتراب منه»، وقال إنه «دعا المرزوقي الى استعمال صلاحياته الواردة بالقانون المنظم للسلطات في دعوة كتلة الأغلبية بالمجلس التأسيسي الى ترشيح رئيس حكومة جديدة»، مضيفا أن الحركة «بوصفها صاحبة الأغلبية، مصرّة على إعادة ترشيح علي العريّض لتشكيل الحكومة».

ومن الطبيعي أن يجد هذا الموقف رفضا تاما من قبل جبهة الإنقاذ و المعارضة والنقابات وقيادات الحراك الشعبي في اعتصام «الرحيل» بباردو وبقية مدن البلاد.

بداية مواجهة

ويرى جلّ المراقبين أن موقف حركة النهضة كان منتظرا، وهو إعلان عن بداية مواجهة ستعتمد مبدئيا على التجييش المتبادل للشارع، وهو تجييش غير متوازن حيث تعتمد فيه المعارضة على أنصارها وعلى النقابات، وعلى المناهضين لـ«النهضة» بمختلف توجهاتهم، إضافة الى الأغلبية الصامتة التي تستطيع حسم الصراع، وعلى قدرتها على السيطرة على المناطق الداخلية ومؤسسات الحكم المحلي. بينما يعتمد «إخوان» تونس، كما نظرائهم في مصر، على الدعم التركي والغربي ومساندة الجماعات السلفية، إضافة الى القمع الأمني، ومخططات التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وإمكانية بذر الخوف في نفوس التونسيين من ارتفاع مستوى العنف.

أول الأسباب

وترفض حركة النهضة ترك السلطة وتتمسّك بها لخمسة أسباب رئيسة، أوّلها المشروع الإخواني في المنطقة، الذي تمثّله الحركة في تونس. وقالت مصادر مطلعة لـ«البيان» إن التنظيم العالمي للإخوان المسلمين «على تواصل يومي مع الغنوشي الذي يعتبره التونسيون الرئيس الفعلي لبلادهم، وأن التنظيم دعا الغنوشي الى التمسّك بالسلطة مهما كان الثمن حتى لا تشهد تونس نهاية المشروع الإخواني بعد الضربة القاضية التي تلقّاها في مصر». وأضافت المصادر ذاتها أن الحركة «باتت تعتمد على خطة البقاء التي أعدّها التنظيم والتي جاءت لتعوّض استثنائياً خطّة التمكين المعتمدة منذ أكثر من عامين».

السبب الثاني

والسبب الثاني هو الانتخابات، حيث إن الحركة تعرف حقيقة حجمها في الشارع التونسي وتخشى أن تخسر الانتخابات المقبلة. وهي ترى أن وجودها الحالي في الحكم وسيطرتها على مؤسسات السيادة والمؤسسات الدبلوماسية ووسائل الإعلام ووزارة الشؤون الدينية والمساجد، يمكن أن يساعدها بقوّة في فرض نفسها على نوايا الناخبين في بلد مازالت نسبة مهمة من شعبه تعاني من الأمية والفقر.

ويرى المراقبون أن سقوط «النهضة» من الحكم قد يجعلها تفقد كل أمل لها في العودة إليه، خاصةً أن نسبة مهمة ممن انتخبوها سابقا، أكدوا أنهم لن ينتخبوها من جديد.

ثالث الأسباب

وأما السبب الثالث، فهو إدراك الحركة أن تخليها ولو مؤتقاً عن الحكم سيعيد خلط الأورق من جديد، ويفشل كل الخطوات التي خطتها لـ«أخونة» الدولة ومؤسساتها وفي اعتماد سياسة التمكين، خاصة أنها وضعت يدها على مؤسسات الأمن والمال والأعمال وبعض مؤسسات الإعلام، وعلى جزء مهم من الإدارة والمسؤوليات الحكومية على صعيد الولايات والمعتمديات والعمادات. كما أنها نجحت في وضع يدها على زواريب وزارة الداخلية وأرشيف الأمن السياسي. وعندما تم تعيين شخصية مستقلة لحقيبة الداخلية وهو القاضي لطفي بن جدو، اعتقد التونسيون أن حركة النهضة لم تعد ذات تأثير في الوزارة إلى أن تبيّن أن علي العريض لم يترك الداخلية الى رئاسة الحكومة إلا بعد أن أحاط بن جدّو بعشرات القياديين الأمنيين والإداريين الأوفياء له والقريبين من مشروع «النهضة».

السبب الرابع

والسبب الرابع هو تخوف الحركة من أن تركها للحكم ولو لفترة وجيزة سيفتح ملفات الفساد المسجّلة في فترة حكمها على غرار ما يحدث حاليا في مصر من كشف ملفات فساد الجماعة المالي والإداري. وسيمثّل ذلك لحركة النهضة نهاية مؤلمة، وهي التي لا يكفّ قياديوها وأنصارها عن الحديث عن فساد النظام السابق.

السبب الخامس

وأما السبب الخامس فهو المخاوف من انكشاف ملفات غامضة في البلاد قد يكون للجناح المتشدد في الحركة أو التنظيم العالمي للإخوان علاقة بها. وهي ملفات الإرهاب والاغتيالات وتهريب وتخزين السلاح وإطلاق سراح بعض المتورطين في قضايا العنف ضد المعارضة. السجن

لا يخفي جزء من قيادات وأنصار حركة النهضة مخاوفهم من أن يؤدي سقوط الحركة من الحكم الى عودة قيادييها الى السجون أو المنافي، كما يحدث حاليا في مصر. وسبق لنائب رئيس «النهضة» عبد الفتاح مورو أن أكّد ذلك عندما قال إن «هناك من أبناء النهضة من يرون أن تنازلهم عن الحكم سيعيدهم الى السجن». البيان