تعيش تونس اليوم، مهد «الربيع العربي»، على وقع حراك شعبي وسياسي ومواجهات بين قوى الأمن والمعارضة تعبيراً عن رفض سيطرة حركة النهضة، الذراع السياسية لتنظيم الإخوان المسلمين على مقاليد الحكم في البلاد، وسط ظاهرة مدعاة للقلق والاستنكار وهي اغتيال نشطاء بأسلوب استفزازي ومتكرر.
ورغم سرعة إعلان وزارة الداخلية في تونس اسم المتهم باغتيال الناشط محمد البراهمي، ونشر صورة لبطاقته بعد مضي يوم واحد على الجريمة، وتأكيدها أن جماعة سلفية جهادية تقف وراء الحادث، إلا أن المعارضة المنضوية ضمن إطار جبهة الإنقاذ، ترى أن الفريق الحاكم في تونس عزل نفسه عن المجتمع السياسي، وعن الشعب الذي خرج بالآلاف للمطالبة بإسقاط الحكومة الحالية وحل المجلس التأسيسي.
كرة المعارضة
وفيما اعتبر حمة الهمامي، القيادي البارز في الائتلاف الحزبي اليساري الجبهة الشعبية، الذي يُشارك في جبهة الإنقاذ، أن الكرة ليست في ملعب المعارضة، وإنما هي بملعب الائتلاف الحاكم بقيادة حركة النهضة الإسلامية. حذّر رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي مما اعتبره «دفع البلاد نحو المجهول»، فيما ذهب بعض قادة أحزاب الائتلاف الحاكم إلى الحديث عن «انقلاب عن الديمقراطية»، و«مؤامرة صهيونية» لإفشال المسار الانتقالي الديمقراطي في البلاد.
هذا المشهد المتشابك يدفع ببعض المراقبين للتعجب من موقف السلطات التونسية، والتي أثبتت سرعة في التقاط خيط جريمة اغتيال البراهمي تثير الإعجاب، لكنها لم تعلن بعد حظر الجماعة التي تدور حولها الاتهامات واعتبارها خارج القانون وملاحقتها قانونياً، لاسيما في ظل تجاوزها الحدود، واستباحة الجامعات والمسارح والأنشطة الفنية، على مرأى من الشرطة.
جزرة الانتخابات
كذلك، أجج مقتل جنود تونسيين الاثنين الماضي على يد مسلحين على الحدود مع الجزائر الأزمة السياسية التي تعيشها تونس، بالتزامن مع إعلان الحكومة رفضها مطالب المعارضة، واقتراحها إجراء انتخابات عامة في 17 ديسمبر المقبل، الذي يصادف الذكرى الثالثة لانتحار البائع المتجول محمد البوعزيزي، مفجّر الثورة التونسية في العام 2011.
مقتل الجنود الثمانية يضيف وقوداً على نار الخلافات المتزايدة في تونس، لاسيما وأن هذه الحصيلة من القتلى هي الأعلى التي يتكبدها الجيش خلال مواجهات مع مسلحين منذ الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي في يناير 2011.
عصا الأمن
الرئيس التونسي المؤقت منصف المرزوقي بدوره، اعتبر أن الإرهابيين حققوا نصف هدفهم المتمثل في إشاعة الفوضى والتفرقة، وحذر من أن تونس باتت مُهددة في نظامها السياسي ونمط حياتها، داعياً القوى السياسية «للعودة إلى الحوار، الوطني ونسيان الغضب وتوحيد الصفوف لمجابهة الخطر».
ومع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا التطور اللافت جاء بعد ساعات قليلة من اجتماع المجلس الأعلى للأمن في تونس، وبعد أقل من ساعة من خطاب لرئيس الحكومة التونسية المؤقتة تطرق فيه إلى تدهور الأوضاع في بلاده بعد اغتيال البراهمي الخميس الماضي، فـإن علامـات استفهـام باتت تخيم على المشهديـن السياسـي والأمنـي اليـوم.
استدعاء للخطر الخارجي يبدو لافتاً في مشاهد عربية كثيرة، وفي المشهد التونسي اليوم على وجه الخصوص، ما يدفع بالمحللين لتوجيه أصابع الاتهام للجهة المستفيدة من إشغال الرأي العام بقضايا لا تشمل البعد السياسي، وأولها الأمن، للخروج من عنق الزجاجة التي يضعها فيها الشعب والمعارضة.
نموذج متراجع
بعد إطاحة الشعب التونسي بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي في يناير 2011، بدت تونس ذات يوم كنموذج للانتقال الديمقراطي بين الدول التي شهدت ثورات مماثلة. لكنها تواجه الآن صعوبات لتجاوز الانقسامات بشأن الحكومة التي تقودها حركة النهضة والجمعية التأسيسية الانتقالية التي من المقرر أن تنتهي خلال أسابيع فقط من صياغة مسودة دستور للبلاد، التي يرفضها الكثير من قوى المعارضة.
