في روسيا فلاديمير بوتين، من السهل جداً اتهام الخصوم بالاختلاس والتهرب الضريبي. فهاتان التهمتان تحوزان أهمية خاصة في الوعي الجمعي لدى الروس منذ اندثار الاتحاد السوفييتي وهيمنة العهد اليلتسيني الموصوم بفسادٍ ضرب أطنابه في كل زوايا الدولة، وأودى بها إلى اقتصاد الطبقة الاوليغاركية المتحالف مع المافيا السياسية. كان بوتين من الذكاء الاستخباراتي، نسبةً إلى خلفيته في الـ«كي جي بي»، بحيث هادن المتنفذين الذين أوصلوه إلى الحكم رئيساً للوزراء باسم القضاء على التمرد في الشيشان وداغستان، ومن ثم رئيساً في مطلع العام 2000. وما لبث أن خطط الرئيس الروسي للتخلص تدريجياً من أولئك الذين أكلوا اقتصاد روسيا بالتهمة المثلى.
«الخمسة الكبار»
وعليه، اختفى ثلاثة من «الخمسة الكبار» الذين رسموا ملامح روسيا ما بعد الشيوعية عن الساحة السياسية، أولهم الجنرال ألكسندر ليبيد سكرتير مجلس الأمن الروسي والمرشح الرئاسي السابق الذي توفي بحادث تحطم طائرة هيلكوبتر العام 2002. والثاني رجل الأعمال المثير للجدل بوريس بيرزوفسكي، وهو من قدّم بوتين إلى يلتسين، قبل أن يفر إلى بريطانيا ويُعثر عليه مشنوقاً في شقته في مارس الماضي.
أما ثالثهم، فهو ميخائيل خوردوفسكي إمبراطور النفط والغاز وممول حملات بوتين الانتخابية وصاحب الطموحات السياسية المتنامية التي أودت به إلى السجن بتهمة التهرب الضريبي، بدون أملٍ في الخروج ما دام بوتين يسكن الكرملين. ويأتي الاقتصادي المعروف أناتولي تشوبايس رابعاً، وهو الذي فهم أسس المعادلة، فآثر الابتعاد عن العمل السياسي طوعاً. وتكفل الرئيس الروسي بالشخصية الخامسة، عملاق صناعة الحديد والألمنيوم رومان أبراموفيتش، بعقده وإياه ما يمكن تسميته بـ«اتفاق جنتلمان»، قضى بأن يبتعد عن عالم السياسة مقابل أن تُفرّغ له الساحة من أي منافسين محتملين.
ومن بعدها، لجأ بوتين إلى حيلة الرجوع إلى الصفوف الخلفية حينما انتهت ولايته في 2008، فسمى نفسه رئيساً للوزراء ودفع بربيبه ديمتري ميدفيدف ليكون بديلاً. لكنه لم يحتمل أكثر من أربعة أعوام لكي يعود إلى الرئاسة وحسبه أنه يريد البقاء حتى 2024.
العتبة والقوة
واليوم، وبعدما اختصر الأمة الروسية بوجهه ولسان الناطق باسم دبلوماسيته سيرغي لافروف، فإن بوتين يبدو ماضياً في تجاوز العتبة التي لا يمكن لأي مجتمع أن يسمح لحزبٍ أو زعيم في تجاوزها. يستطيع الرئيس الروسي مثلاً أن يزج بمعارضٍ في السجن أو يجدد ولايته عبر انتخاباتٍ تفتقر إلى أدنى معايير الشفافية. ولكن ليس بإمكانه أن يستخف بالمجتمع ويتعامل مع الحراك الاحتجاجي المتفاقم والتململ المعتمل في نفوس الروس منذ أكثر من عامٍ بطريقةٍ فوقية يشوبها وهم أن حكمه بات من البأس بمكان بحيث لا يتوجب معه سوى سحق الشرذمة المتربصة بالبحبوحة التي هطلت على بلاده بفضل ارتفاع أسعار النفط والغاز ليس إلا. من الواضح أن خطأ الرئيس الروسي الكبير أنه صدّق غرور القوة. ليس داخلياً فقط، بل وفي السياسة الخارجية أيضاً.
توجهات وإعلام
وتالياً، من السهل فهم الاتهامات المعلبة الموجهة مؤخراً إلى المدون الشاب أليكسي نافلني بأنه «عميل أميركي» و«مختلس» والتضييق على وسائل الإعلام المستقلة وإسكات الأصوات المعارضة وفرض الغرامات الفلكية على منظمي التظاهرات ووضع العراقيل القانونية فيما يخص تشكيل منظمات المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية واستمالة الكنيسة الأرثوذكسية إلى صفه لاستغلال تمسك الروس بالقيم الدينية، في وقتٍ ترتفع أسهم قادة الاحتجاجات وتزداد أعداد مؤيديهم في الشارع.
كما من اليسير استيعاب مشاكسته للولايات المتحدة، الهدف السهل دوماً، في الملف السوري أو قضية موظف الـ«سي آي إيه» إدوارد سنودن. يجيد بوتين الأداء المسرحي و«الشو» الإعلامي الذي يبدأ من إظهاره بصورة البطل الذي يصارع نمراً سيبيرياً ويتغلب على منافسه في رياضة الجودو، ولا ينتهي بتقديمه على هيئة المقدام الذي لا يخشى المخاطر، فيطير في طائرة خفيفة محاطاً بصغار طيور الكركي. ولكن مع استخفافه بنذر العصيان والثورة وتشبثه بالسلطة، قد يكون ثمن المسرحية تراجيدياً هذه المرة، فتنتهي بموت البطل كما في مسرحيات شكسبير.
نافلني
يبلغ ألكسي نافلني من العمر 36 عاماً. وهو محامٍ ومدون وقاد المعارضة الروسية في الاحتجاجات المناهضة للنظام. كما يعتبر خطيباً مفوهاً، وسبق له أن كشف معلومات مدوية بشأن الفساد في الحكومة. ينظر إليه على أنه منافس محتمل على رئاسة بلدية موسكو، التي قد تقوده إلى رئاسة روسيا. البيان
