سيكون أمام التونسيين وقت طويل وتضحيات جسيمة للفصل بين مشروعين متناقضين ومفهومين متباينين للثورة التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. ففي حين تعتقد التيارات الحداثية واليسارية والتقدمية والحداثية والإسلامية المعتدلة أن ما تحقق في 14 يناير 2011 هو ثورة الشعب التونسي ضد الاستبداد، ترى التيارات الدينية اليمينية واليمينية المتطرفة أنها ثورة من أجل الهوية الإسلامية بالدرجة الأولى وأنها فرصة لإعلان دولتهم ولو عبر مراحل واعتماد على عنصر الزمن، مثلما ترى حركة النهضة التي تقود الائتلاف الحاكم في البلاد.وبعد سقوط النظام المصري، الذي كان يقوده الرئيس الأسبق حسني مبارك، ثم اليمني فالليبي، اتسعت دائرة مطامع التنظيم العالمي للإخوان المسلمين للسيطرة على الحكم في هذه الدول، والانطلاق نحو مشروع إخواني أشمل في المنطقة العربية يجد الدعم والإسناد من قبل قوى إقليمية ودولية. وكان لابدّ لتونس أن تكون في قلب المشروع لأبعادها الرمزية والحضارية والجغرافية والسياسية، وكذلك لما يعتقد تنظيم الإخوان والجماعات المرتبطة به من أنها تمثّل الطريق الى الجزائر والواجهة على أوروبا والدرع لليبيا والمنفذ الى منطقة الصحراء الكبرى.

تغلغل الدولة

وبعد انتخابات أكتوبر 2011، انقلبت حركة النهضة على طبيعة المرحلة الانتقالية لتجعلها مرحلة تغلغل في الحكم عبر وضع يدها على الحكمين المركزي والمحلي وصياغة الدستور، الذي لا يزال محل جدل واسع بين النخب السياسية والحقوقية. كما استطاع الإسلاميون تحويل الخطاب الديني لفائدة مشروعهم وتقسيم المجتمع إلى إسلاميين، هم في الواقع كل من يدعمون المشروع الإخواني في البلاد وخارجها، وعلمانيين هم كل الذين يختلفون مع هذا المشروع.

تحول جوهري

وشهدت تونس تحولا جوهريا في فهم طبيعة الثورة، حيث يرى الإسلاميون وأنصارهم وحلفاؤهم أن ما حدث في البلاد «كان نصرا للمستضعفين في الأرض ولنهج الإسلام ومشروع الخلافة، وأن هذا الفهم دونه الدم»، في حين لا تزال قوى المعارضة من أحزاب الوسط واليسار والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والمثقفين يعتقدون أن الثورة «قامت من أجل الخبز والحرية والكرامة الوطنية، وأنها ستنتصر لهذا المفهوم».

ثورة مصر

وجاءت ثورة 30 يونيو المصرية التي أطاحت بحكم «الإخوان» لتكشف حقيقة وطبيعة ما يجرى في كواليس السياسة التونسية، حيث اختارت «النهضة» وحلفاؤها الخروج عن الاجتماع العربي بدعم خيارات الشعب المصري واختارت الدفاع وبقوة عن نظام الرئيس المعزول محمد مرسي ومشروع الجماعة في مصر. وبات الموقف الرسمي التونسي مرتبطا بموقف التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، في حين اختار تنظيم أنصار الشريعة السلفي الالتزام بالموقف المحايد لحزب النور السلفي المصري.كما شجّعت مستجدات الأوضاع في مصر أطرافا تونسية على كشف زوايا من مشروع ترسيخ مفهوم ما يسمى «الثورة الإسلامية» والمشروع الإخواني في تونس عبر التغلغل في المؤسسات الأمنية والإدارة ورفض حل رابطات حماية الثورة التي تمثّل جناح الأمن العقائدي للمشروع ، إضافة الى تجيير الأوضاع في مصر للحديث عن حرب ضد الإسلام. استغلال

على الرغم من أن الإسلاميين في تونس لم يشاركوا في الانتفاضة التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، إلّا أن عدة عوامل جعلتهم يصلون الى الحكم رغم ضعف حضورهم في الشارع، حيث استفادوا من السلطة لترسيخ تغلغلهم فيها ، ولتهيئة الظروف لتحويل البلاد الى قلعة «إخوانية ». البيان