يختلف شكل مدينة القدس المحتلة اليوم عن ما كانت عليه العام 2000، حين بدأ الإسرائيليون والفلسطينيون التفاوض حول مصيرها، حيث تآكلت المناطق العربية بفعل انتشار المستوطنات، ما يعقّد مهمة تقسيم القدس وفقاً للصيغة التي طرحها الرئيس الأميركي في حينها بيل كلينتون، على أساس أن ما هو يهودي سيكون إسرائيلياً، وما هو عربي سيكون فلسطينياً، في إطار نظام خاص لإدارة الأماكن التي تعتبر مقدّسة بالنسبة للأديان السماوية الثلاثة.
ويشير محللون ومسؤولون لـ «البيان» إلى أن التقسيم لم يعد قابلاً للتنفيذ بالنظر إلى تسارع بناء المستوطنات، والشكل الذي اتخذته هذه المستوطنات نتيجة ما فرضته السياسيات الإسرائيلية تطبيقا لمخطط «القدس الكبرى».
زيادة اليهود
ويوضح تقرير نشره مركز الأزمات الدولية في مدينة القدس أنه منذ ان وضع كلينتون معاييره للتقسيم، ارتفع عدد السكان اليهود في القدس الشرقية بشكل كبير في ثلاثة أحزمة، حزام خارجي يحدد القدس الكبرى، وحزام متوسط يحيط بمركز المدينة، وحزام داخلي يمر بمركز المدينة.
ويشير التقرير إلى أن بناء المستوطنات خلال الأعوام الخمسة والأربعين الماضية كان مكثفاً إلى درجة جعل حتى توسعات صغيرة في مواقع استراتيجية تشكل ضربة قاضية لأي احتمال بتقسيم المدينة يوماً ما.
القدس الشرقية
من جانبه، يشير خبير الاستيطان جمال جمعة إلى أن توسع المستوطنات والأحياء اليهودية في القدس الشرقية جعلها عرضة للتلاشي خلال الأعوام الماضية.
ويقول جمعه «هذا التهديد لا زال قائما في الوقت الحاضر، وفي المستقبل أيضا، وعلى المجتمع الدولي أن يتدخل لوقف ذلك، لأن الإعلانات الأخيرة عن بناء وحدات استيطانية جديدة في القدس وغيرها من المناطق في الضفة الغربية تعد تهديد حقيقي لما تبقى من القدس الشرقية، وهذا بمثابة تقويض كامل لأي حل يستند إلى قيام دولتين، يقوم الآن الوفدان الفلسطيني والاسرائيلي في واشنطن ببحثه للتوصل إلى آلية لتطبيقه».
القدس الكبرى
بدوره، يؤكد مدير عام الهيئة الاسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات حنا عيسى لـ «البيان» أن المخطط الاستيطاني الذي ضرب القدس الشرقية بصورة مباشرة، والذي تعاقبت الحكومات الاسرائيلية على تنفيذه بدء منذ العام 1967، وسيستمر حتى تحقيق حلم «القدس الكبرى»، التي شارف الاحتلال على إقامتها من خلال عزل الأحياء والمناطق العربية عن المدينة بشكل كامل.
ويضيف عيسى: «اسرائيل لا يروق لها إلا القدس الكبرى، ولن تتنازل عن هذا الحلم ما دامت وسائل الضغط والتهديد الفعلية والحقيقية غائبة».
تشاؤم وعقبات
ويرى مراقبون أن التغيّرات التي طرأت في إسرائيل وفلسطين صعّدت من المطالب الدينية والتاريخية في المدينة المحتلة، «والآن بعد أن استؤنفت المفاوضات، سيكون على كل طرف من الاطراف الانفتاح على حلول خلاقة تنسجم مع هذا المناخ الناشئ والمطالبات الجديدة للطرفين، وربما يتوجب على كل طرف تقديم تنازلات جريئة حتى تنجح تلك المفاوضات».
وفي الوقت ذاته، ثمة أسباب كثيرة تدعو إلى التشاؤم، وثمة عقبات كثيرة تقف في طريق التوصّل إلى اتفاق، فالكثير من الاسرائيليين مقتنعون بأنه إذا تشبثت إسرائيل بموقفها أكثر، فإن الفلسطينيين سيتخلون في النهاية عن مطالبتهم بالمدين المقدسة عاصمة لهم.
وبذلك، يأتي الإعلان عن التحركات الاسرائيلية الأحادية في القدس الشرقية، بما في ذلك التوقّف عن تقديم الخدمات البلدية للأحياء العربية أو بناء أو توسيع مستوطنات جديدة أو أحياء يهودية، يهدف إلى التأثير على نتيجة المفاوضات. سراب
يرى مراقبون في تسارع وتيرة الأعمال والمشاريع التهويدية والتوسعية، والمصادقة الاسرائيلية على توسعات جديدة رغبة حقيقية في إنهاء القدس الشرقية التي يريدها الفلسطينيون عاصمة لهم، وبذلك ينتهي حل الدولتين وفق مرجعية حدود العام 1967، والذي لا تريده اسرائيل. وفي الوقت ذاته يصبح الحديث عن العودة للتقسيم دربا من سراب، وبذلك تضمن اسرائيل سيطرتها وهيمنتها الكاملة على المدينة. البيان