باستئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، بدت إدارة باراك أوباما، بل أرادت أن تبدو، وكأنها سجّلت خبطة دبلوماسية موفقة. وهي متعطشة إلى الظهور بمثل هذا «الإنجاز» وفي هذا الوقت بالذات، للتعويض عن عزوفها وهامشية دورها في الأزمات الأخرى الملتهبة في المنطقة. لذلك وظّفت الكثير من رأسمالها لتركيب طاولة المفاوضات. وكان لها ما سعت إليه. لكن هذا كان الشقّ السهل. الآن ماذا عن الحصاد المرتقب؟
التوقعات في صفوف المراقبين المتابعين لمسيرة المفاوضات الخائبة منذ أوسلو، تتراوح بين غالبية تدعو إلى الترقب ولو مع التحفظ الشديد بشأن جدوى العودة الراهنة إلى المائدة؛ وبين دوائر أخرى سارعت إلى إصدار الحكم مسبقاً بالفشل، من باب أنه «ليس هناك فرصة الآن لتحقيق حلّ للصراع»، على ما يقول دافيد ميللر مدير قسم الشرق الأوسط في مؤسسة وودرو ويلسون للدراسات والأبحاث في واشنطن عضو الوفد الأميركي للمفاوضات أيام الرئيس بيل كلينتون.
ويرى هذا الفريق أن إصرار وزير الخارجية الأميركي جون كيري على العودة، والذي كلفه ست زيارات إلى المنطقة، هو الذي خلق للعملية بريقها بحيث بدت وكأنها آيلة إلى القطاف، لكن «وحده كيري يعتقد ذلك»، حسب ميللر.
احتمالات حلحلة
بيد أن هناك من يرى أن احتمالات «الحلحلة» ليست بهذا السواد الفاقع. ينطلق أصحاب هذا التفاؤل، على رخاوته، ومنهم المبعوث الأسبق دانيس روس، من الاعتقاد أن «كيري عازم على العمل بجهد فوق العادة لبلوغ تطور ملموس». ثم يتحدث هؤلاء عن مؤشرات في هذا الاتجاه، يقولون إن كيري المراهن على هذه الورقة، يحظى بتفويض تام من الرئيس إوباما الذي يتطلع إلى «انجاز» هام في الشرق الأوسط.
ثانياً، إن واشنطن حدّدت مدة زمنية بفترة تسعة أشهر التزم الجانبان بالاستمرار خلالها في التفاوض. لكنها تركت مفتوحة على التمديد.
فرصة ما
يضاف إلى ذلك أن واشنطن حملت إسرائيل على تنفيذ تعهّدها منذ أوسلو بإخلاء سبيل 104 من قدامى الأسرى الفلسطينيين والذي اشترطته السلطة للعودة إلى المفاوضات. يضاف إلى ذلك، حسب هذه القراءة، استدعاء السفير الأميركي السابق في إسرائيل مارتن انديك، لتولّي رئاسة الفريق الأميركي المرافق للمفاوضات؛ الذي لم يكن ليقبل هذا الدور لولا وقوفه على معطيات تشير إلى وجود «فرصة» ما، لا سيما وأنه سبق واكتوى بفشل مثل هذا الدور في مفاوضات كامب ديفيد الثاني الفاشلة التي شارك فيها، بين الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (أبو عمار) وايهود باراك وبرعاية الرئيس الاميركي بيل كلينتون.
وأخيراً، ثمة اعتقاد لدى قلّة لا تستبعد ترجيح كفة الجدية هذه المرة، بأن الظروف الحالية في المنطقة «مواتية»، لتمرير تسوية !
لكن السؤال: أي تسوية؟
تنازلات معقولة
واشنطن بلسان الوزير كيري، وضعت المفاوضات في خانة «العملية الصعبة التي تتطلب تنازلات معقولة» للوصول إلى صيغة الدولتين. ووصفت مصادر الإدارة دور الفريق الأميركي بأنه يقع في دائرة «تسهيل» المفاوضات ومساعدة الطرفين على عبور طريقها الوعرة، لكن «القرار النهائي متروك لأصحاب العلاقة».
هذه مفردات مستعارة من التجارب السابقة المعروفة نتائجها. تعرف واشنطن أن مصدر الوعورة يتمثل في التعجيز الإسرائيلي. وبالتالي عندما تتحدث عن تنازلات متبادلة تبدو وكأنها كالعادة، تضع الواقع تحت الاحتلال في نفس السلة مع المحتل، لناحية التنازلات.
وبذلك، يكون الحديث عن «فرصة» أقرب إلى العودة إلى الدوامة نفسها.
أسئلة كثيرة
انتهت الجلسة الرسمية الأولى امس، بصورة مرضية؛ حسب ما قال الوزير كيري فور انفضاضها؛ لتستأنف بعد أسبوعين في القدس أو رام الله، وفق صيغة شاملة تقضي بطرح كافة قضايا الوضع النهائي على الطاولة وبحثها في آن واحد، حسب طلب الجانب الفلسطيني. وكان أعضاء الوفدين قد التقيا الرئيس أوباما ونائبه جون بايدن، لكن رغم إحاطة لقاءات واجتماعات وتحركات الوفدين في واشنطن خلال اليومين الماضيين، بأجواء واعدة، بقيت أسئلة كثيرة معلّقة.
تتعلق بالمواعيد وكيفية ممارسة الفريق الأميركي لمهمته، وما إذا كان الوزير كيري يعتزم زيارة المنطقة ومتى يكون تدخله ضرورياً، فضلاً عما إذا كانت جولة واشنطن حسمت كافة إشكاليات التفاوض وغيرها. العموميات طغت على التفاصيل. الجلسة الأولى أحيطت مجرياتها بكتمان شديد. ولقطع الطريق على التسريبات لفت كيري بأنه الوحيد المخول بالتصريح عن تطور المفاوضات وكل ما يصدر عن سواه لا يعكس حقيقة مجرى المفاوضات.
إشادات وضغوط
خلال يومي الانطلاقة توزّعت إشادات كثيرة. خاصة بالوزير كيري وبالقيادتين الفلسطينية والإسرائيلية. كما توزعت وعود وتطمينات وإغراءات، منها مشروع مساعدات تنموية بأربعة مليارات دولار في الأراضي الفلسطينية.
ومورست أيضاً ضغوطات وأشيعت مناخات واعدة. كله لتأمين العودة إلى الطاولة. عادوا، لكن مسيرة هذه التجربة منذ أوسلو تقول إن ولادة دولة فلسطينية «مقبولة» من رحم المفاوضات هي قرار أميركي قبل أن تكون دبلوماسية إقناع وإطراء.
وطالما بقي هذا القرار خارج العملية، طالما بقيت الشكوك مشروعة حول المحاولات وجولات الحوار. هل وصلت إدارة أوباما إلى نقطة أخذ مثل هذا القرار؟ ليس ما يشير في واشنطن، حتى الآن، إلى ذلك.
ليفني متشجعة
أكدت وزيرة العدل الاسرائيلية تسيبي ليفني، المسؤولة عن ملف المفاوضات مع الفلسطينيين، انها «متشجعة» من الجولة الاولى من محادثات السلام مع الفلسطينيين بعد تعثرها لمدة ثلاث سنوات. وقالت ليفني، في مقابلة بثتها اذاعة الجيش الاسرائيلي في وقت مبكر من صباح أمس، «انا متشجعة.. من الخروج من الاجتماع الاول»، مؤكدة «هذا حدث فيه نوع من الاثارة، بالإضافة الى الأمل». وأكدت ليفني ان «عقد اجتماع اول كان مهما بعد عدة شهور قام الاميركيون فيها بجولات بيننا ولم نجلس معا».
وأشارت ليفني إلى ان الدعوة الى لقاء الرئيس الاميركي باراك أوباما في البيت الأبيض يومها تهدف الى إظهار ان وزير الخارجية جون كيري لا يتبع أجندته الخاصة. وأكملت: «حقيقة الدعوة هي رسالة بنفسها». أ.ف.ب