عادت تونس مجددا الى مربع العنف بعد عملية اغتيال النائب عن حركة الشعب والمعارض محمد البراهمي، وهو الثاني من نوعه بعد اغتيال المعارض شكري بلعيد في فبراير الماضي. ويؤكد مراقبون ان استهداف معارض لا خصوم له بهذه الطريقة يشير إلى وجود أطراف تهدف إلى خلط الأوراق في البلاد، علما أن ثقافة الاغتيال دخيلة على المجتمع التونسي، ما خلق حالة من الصدمة في أوساط التونسيين.
واتجهت أصابع الاتهام مباشرة الى حركة النهضة التي تقود الائتلاف الحاكم، تماما كما حدث عند مقتل بلعيد. وما يجمع بين البراهمي وبلعيد انتماءهما الى مجلس أمناء تحالف الجبهة الشعبية الذي يضمّ الأحزاب القومية واليسارية ومواقفهما من القضايا العربية ومناوئتهما حكم الإخوان في المنطقة العربية ودفاعهما عن الطبقات الكادحة والمهمّشة وجذورهما المرتبطة بالمناطق الداخلية للبلاد وخلافاتهما الحادة مع حركة النهضة وحكومة الترويكا.
ويستبعد المراقبون أن يكون للجماعات السلفية دور في اغتيال البراهمي المعروف عنه دفاعه المستميت عن الهوية العربية الإسلامية وعدم دخوله في مواجهات مع التيارات الجهادية المتطرفة، كما لم يسبق له أن تلقّى أي تهديد بالتصفية الجسدية
جريمة سياسية
وأجمعت قيادات الحكم والمعارضة على أن الجريمة سياسية بامتياز وهو ما أكد عليه الرئيس منصف المرزوقي ورئيس الحكومة علي العريض ورئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر، حيث تم في وضح النهار في يوم صيفي واضح المعالم وأمام منزله بحي آهل بالسكان، وبذات الطريقة التي اغتيل بها بلعيد تقريبا وهي قيادة شاب لدراجة نارية يترجل شخص معه ويطلق 14 رصاصة على الضحية وهو في سيارته مستعملا مسدّسا آليا تم تهريبه من ضمن السلاح المهرّب من ليبيا، وهو من نوع غير مستعمل لدى قوات الأمن والجيش في تونس.
3 أسباب
ودوافع إغتيال البراهمي لا تخرج عن ثلاثة أسباب. فالأول أنه قاد التيار القومي التونسي نحو الإنضمام الى الجبهة الشعبية التي كانت حين تشكيلها تضم أحزابا ماركسية وشيوعية. وساهم الوجود القومي في إعطاء بعد جديد للجبهة الشعبية يجعل من الصعب على الإسلاميين اتهامها بأنها حركة «كفر وإلحاد» كما كانت تسمّى من قبل الجماعات الإسلامية الإخوانية والسلفية في تونس.
وسعت حركة النهضة الى تفكيك حركة الشعب، التي كان البراهمي مؤسسها وزعيمها، الى أن حدثت فيها إنشقاقات دفعت به الى الإنسحاب من الحركة وتأسيس التيار الشعبي القومي الناصري على غرار التيّار الشعبي في مصر الذي يتزعمه حمدين الصباحي.
سيدي بوزيد
والدافع الثاني أن البراهمي ينتمي الى ولاية سيدي بوزيد مهد الثورة التونسية وينتمي الى قبيلة كبيرة، وكسب خلال فترة نيابته للمجلس الوطني التأسيسي الكثير من التعاطف الشعبي في ولايته، ما يجعله قادرا على التأثير الانتخابي فيهم خلال المواعيد المقبلة، وهو ما يزعج «النهضة» التي كانت حققت نتائج دون المأمول في سيدي يوزيد خلال انتخابات أكتوبر 2011، بسبب الظهور المفاجئ لتيار العريضة بزعامة محمد الهاشمي الحامدي.
الثورة المصرية
والدافع الثالث هو الموقف الذي أعلن عنه البراهمي خلال جلسة عامة للمجس الوطني التأسيسي، حيث أعرب عن مساندته غير المشروطة لثورة الشعب المصري ضد حكم الإخوان ودعوته التونسيين السير على المنوال ذاته وإسقاط الحكومة الحالية وحل المجلس الوطني التأسيسي. كما كان من أبرز المساندين لحركة «تمرّد التونسية». وخلال الأيام الماضية، أعلن عن استعداده للاستقالة من المجلس الوطني على غرار النائب أحمد الخصخوصي، وهو كذلك من قيادات الجبهة الشعبية ومن أبناء ولاية سيدي بوزيد.
تصعيد المعركة
ويبقى أن المعركة بين الجماعات الإسلامية والتيار القومي تشهد حاليا تصعيدا استثنائيا بين محاولات التقارب بينهما قبل ثورات الربيع العربي. وفي حين يدافع القوميون عن الدولة المدنية الحديثة واستقلالية القرار الوطني والعدالة الاجتماعية، يسعى الإسلاميون الى فرض مشروع الدولة الدينية والتحالف مع قوى خارجية من أجل الهيمنة على الداخل. ولا يخفي الإسلاميون عداءهم للأنظمة القومية والعروبية، وهم يرون في المشروع القومي نقيضا للمشروع الإسلامي. غير أن المراقبين يرون أن فشل الإسلاميين في الحكم يفتح المجال أمام القوميين والناصريين، وخاصة في مصر وتونس، للسيطرة على الحكم.