إذا كان السؤال والتحرّي والاستفسار من أسس وجوهر العمل الصحافي، فإن المراسلة هيلين توماس ـ من أصل عربي لبناني ـ التي رحلت عن دنيانا الأسبوع الماضي، بعد تغطية البيت الأبيض لنيّف ونصف قرن؛ هي مدرسة بذاتها في هذا الحقل. تجربتها الفذّة والمميزة، وضعتها وعن جدارة في هذه الخانة. تغطية الإعلام الأميركي لخبر وفاتها، عن 92 عاماً، تحوّلت إلى تكريم لسيرتها. إلى شهادة بريادتها وإضافاتها الصحافية النوعية واعتراف بفرادة مهنيتها وتقديرها. سيرة عرضتها الصحف الكبرى، مثل «نيويورك تايمز» بصورة موسّعة، حيث أفردت لها مساحات على صفحاتها الأولى. وكذلك النشرات الرئيسية المسموعة وشبكات التلفزة التي خصص بعضها مثل «إن. بي. سي» شريطاً مطولاً عن تجربتها.
كانت أحد أبرز أساتذة ـ إن لم تكن الأبرز ـ السؤال للرؤساء من جون كينيدي عام 1960 إلى الرئيس أوباما؛ مروراً بالرؤساء الثمانية بينهما. وطالما تميّز سؤالها بوضع النقاط على الحروف بدون مجاملة، وبالتصويب المباشر على قلب الموضوع. بصيغة كان يسميها البعض «فجّة»، لكنها كانت دائماً تقول: «ليس هناك سؤال فجّ. هناك سؤال، لا أكثر ولا أقل». وهنا يكمن تمايزها وتكمن شهرتها.
ريادة وصعود
بدأت عملها كمحررة في محطة راديو «يونايتد برس»، قبل أن تتحول هذه الأخيرة إلى وكالة أنباء عالمية. مع الخمسينات صارت مراسلة لتغطية الوزارات الفيدرالية في واشنطن. ثم انتقلت لتغطية البيت الأبيض مع مجيء الرئيس كينيدي في 1960. ومن هناك بدأت رحلة الصعود. وقد كانت آنذاك أول امرأة تدخل القاعة الصحافية في البيت الأبيض كمراسلة معتمدة من قبل وكالة أنباء. واقع نوّه به الرئيس أوباما، عندما قال في 2009 في حفل تكريمي رمزي لها، بمناسبة ميلادها التاسع والثمانين، بأنها كانت «رائدة في فتح الباب أمام جيل من النساء» لاقتحام عالم الصحافة، الذي كان يطغى عليه الرجل. خاصة على صعيد المراسلين في البيت الأبيض. ليس ذلك فحسب، بل إن حضورها المتزايد لمعانه رفعها إلى المقدمة. سنة 1975 احتلت منصب مدير «نادي غريديرون» الصحافي العريق في واشنطن، الذي لم يسبق أن شغلته امرأة منذ تأسيسه قبل 90 سنة. ثم صارت عميدة الجسم الصحافي في البيت الأبيض.
لكن في عام 2000 حصل تحول في وضعها. واجهت «يونايتد برس» صعوبات مالية وإدارية، جرى على إثرها بيعها لمؤسسة إعلامية محافظة محسوبة على خندق اليمين المتزمت. رفضت هيلين العمل تحت لواء الشركة الجديد. سارعت مؤسسة «هارست» الصحفية وضمّتها إليها كمراسلة لها في البيت الأبيض، حيث بقيت لحين تقاعدها مطلع صيف 2011.
قنبلة فلسطين
لكن هيلين، المولودة لأبوين لبنانيين مهاجرين من عائلة توما، لم تتقاعد قبل تفجير قنبلتها التي ضبطت فتيلها على مضض، طوال عمرها الصحافي، والمتعلقة بالقضية الفلسطينية. فعشية الاستقالة وأثناء وجودها في قاعة الصحافيين بالبيت الأبيض، وعند الحديث عن القضية الفلسطينية، أطلقت صرختها ولو بصوت هادئ: «ليرحل اليهود عن فلسطين ويعودوا إلى حيث أتوا، المانيا وبولندا..». كلام من هذا النوع يثير عادة زوبعة عاصفة في واشنطن. وصدوره عن هيلين توماس، أثار هزّة بقيت لأيام حديث العاصمة الأميركية.
بيد أن النقمة التي أثارتها هذه العبارة لم تحجب لمعان المراسلة التي كانت تقول: «نحن هنا ـ في البيت الأبيض ـ لا لنعمل صداقة معهم (الرئيس ومعاونيه)، بل لنسأل ونتقصّى». واللافت أن كافة الرؤساء حفظوا لها درجة عالية من التقدير. مع أنه لم تكن هيّنة مع أي منهم. خاصة مع بوش الابن، الذي كانت تعتبره «أسوأ رئيس أميركي».
قضايا العرب
لعلّ أكثر ما كان مدعاة للإعجاب بها، هو ثقتها بنفسها وبقناعاتها. خاصة بالقضايا العربية الكبرى. تعاطفها بل مساندتها للقضية الفلسطينية، إلى وقوفها الصاخب ضد حرب بوش على العراق. هذا التوجه رافق صعودها المهني باستمرار، ومن دون خشية القوى المعروفة في واشنطن، التي تقاتل صاحب مثل هذه القناعات. لم تكن لديها خشية من انعكاسات موقفها هذا على وضعها المهني. بل هي جاهرت وقاتلت بسيف مهنتها، في هذا السبيل. كانت تتعمّد مثلاً، دعوة زملائها من كبار المراسلين في البيت الأبيض، إلى مطعم «ماما عيشا»، لصاحبته الفلسطينية التي بنى شقيقها مسجد واشنطن.
كانت تفعل ذلك من باب الاعتزاز بالمطبخ العربي الفلسطيني، كما من باب تعريف رجال الإعلام على الأمكنة العربية المعروفة في المدينة. غضبت يوم حرب العراق. «لماذا أنت ذاهب إلى الحرب ؟» سألت الرئيس بوش في 2003. كانت تضفي على أسئلتها الخاصة بالقضايا العربية طابع الاحتجاج العنيف: «متى يتعلم قادتنا أن الحرب ليست العلاج ؟». وأحياناً طابع إعطاء الدروس من نوع «أن نشر الديمقراطية لا يحصل عبر فوهة البندقية».
رصيد متميز
بعد أكثر من خمسين سنة على النمط المتميز من العمل الصحافي الذي أنتج إضافة إلى السؤال الرئاسي اليومي ستة كتب، تركت هيلين توماس سجلاً حافلاً بالتمايز المهني والحضور، الذي لم يتنكر لأصوله العربية.
