ما إن سقط نظام صدام في 2003 بصورة درامية مدوية، وسقط معه حكم القبضة أو الدولة المركزية التي هيمن من خلالها حزب البعث البائد، حتى أطل مشروع تقسيم العراق ليسجّله البعض كبراءة اختراع لصاحبه نائب الرئيس الأميركي جو بايدن بينما نجد أن رفيقه من الحزب الديمقراطي السفير بيتر غالبريث المتهم (عراقياً) بتلقي رشىً لفرض بنود في الدستور العراقي الحالي كان أحد المسوّقين للمشروع قبل ذلك بسنوات.
لقد مرّ على احتلال العراق أكثر من عقد ومرّ على مغادرة القوات الأميركية قرابة 19 شهراً، ومازال الوضع الأمني متدهوراً ويزداد الواقع دموية، فمليشيات وجهات كثيرة اختبأت خلف ستار «مقاومة الاحتلال» ومارست القتل بحق العراقيين ليل نهار، تأتي اليوم بحجج أخرى لترتكب الجرائم، وما «المفخخات» التي تضرب بغداد والمدن يومياً ما هي إلا رسائل رعب للعراقيين، أما الانشقاق السياسي والتطاحن بين مختلف الفصائل والتيارات السياسية فهو أكبر مما يوصف وله تأثير مباشر على العنف في الشارع، وفي ذلك يقول أحد المراقبين: «إن الهدوء في الشارع الذي يرافق كل لقاء توافقي بين الساسة في العراق؛ يثير ألف علامة استفهام».
دماء وتصريحات
إن المراقب لأعمال العنف العبثية والدموية المفجعة التي تطال العراق يومياً، يجدر به أن يعود إلى ما كتب بشأن تقسيم أرض الرافدين ويقرأها بصورة متأنية دون أن يبعد عن ناظريه الظروف الإقليمية والوضع الدولي برمته، والتساؤل بشأن الإهمال الأميركي (المعلن) لبلد بحجم العراق. ولئن كان بايدن طرح مشروع تقسيم العراق حين كان سيناتوراً في الحزب الديمقراطي قبل عدة سنوات فهو أعاد الكرّة مرة أخرى في يونيو الماضي باعتباره نائباً للرئيس أوباما وخرجت الخارجية الأميركية لتخفف قليلاً من وطأة تصريحاته التي لاقت معارضة واستهجاناً شديدين في الشارع العراقي، بينما تؤيد طرح بايدن جهات وفئات سياسية من كافة الفئات والطوائف العراقية التي تحاول أن تضع غطاءً من الحرير على مشروع مليء بالألغام (تحت مسمى تشكيل إقليم أو مصطلح الفيدرالية).
رؤية عراقية
أبدى العديد من الباحثين والمفكرين العراقيين رؤاهم على مشروع بايدن، وحددوا نقاط ضعف المشروع بصورة موضوعية بعيداً عن العاطفة الوطنية والقومية، وفي ذلك يقول الكاتب والمفكر العراقي سيّار الجميل: «إن بايدن يطالب بعقد مؤتمر دولي لتأمين الدعم لترتيب تقاسم السلطة وإصدار ميثاق إقليمي بعدم الاعتداء، فهل يدرك السناتور بايدن تاريخ منطقتنا وتاريخ علاقاتنا العراقية بكل من إيران وتركيا والدول العربية؟ إنه من السخف أن تشبه العراق بيوغوسلافيا».
ويتساءل الجميل عن وضع العاصمة العراقية بغداد في حال تقسيم البلاد إلى ثلاثة أقاليم: سنّية وشيعية وكردية. ويضيف: «كيف استطاع بايدن أن يقارن العراق بالبوسنة؟ كيف يمكنه أن يضرب البوسنة مثلا قبل عشر سنوات ويقرن مشروعه بمشروع دايتون؟ وكيف صفق له غالبية أعضاء الكونغرس من دون ان يعلموا الفوارق الجوهرية بين الحالتين، بحجة أن البوسنة مزقها التطهير العرقي وأن العراق يمزقه التطهير الطائفي والعرقي معا؟
فإذا نجح مشروع اتفاقية دايتون بولادة اتحادات عرقية وسماح الولايات المتحدة لكل من المسلمين والصرب والكروات بجيوش مستقلة، فهل ستنجح التجربة في العراق بولادة كيانات طائفية وعرقية وتتحول الميليشيات الى جيوش منقسمة؟».
إن مشروع التقسيم في حال تنفيذه لا يهدد كيان العراق وحده كبلد مثلما يتصور البعض وإنما يتهدد أمن المنطقة بكاملها وانفلات أوضاع لا تستطيع أعتى العقول التي نظّرت لـ «الفوضى الخلّاقة» السيطرة عليها.
تقسيم ناعم
يعترف تقرير لبعض أعضاء الكونغرس الأميركي صدر منذ فترة وأعده الباحث في معهد «بروكينغز» جوزيف إدوارد بوجود مشاكل جمة في تحقيق الأقاليم الثلاثة، قد تؤدي إلى تعثر هذا المشروع، منها: التداخل المناطقي أو ما يسمى المناطق المتنازع عليها، والعلاقات الاجتماعية لا سيما بين السنة والشيعة وتقاسم الموارد وكيفية إدارة العاصمة بغداد، وغيرها من الأمور التي تتطلب وضع دستور جديد ينسجم مع الواقع الجديد.
