انخفض سقف التوقعات بشأن نجاح وزير الخارجية الأميركي جون كيري في إطلاق المفاوضات المباشرة الاسرائيلية والفلسطينية، ويبدو ان الحديث عن ضيق الفجوة بين الطرفين الذي احدثته الزيارات الست لوزير الخارجية الاميركي هي محض سراب، أو أن الفجوة عادت للاتساع من جديد. فالمفاوض الإسرائيلي يبحث عن حل مؤقت بعيدا عن جوهر القضايا الرئيسية، فيما يتمسك المفاوض الفلسطيني بحل شامل ودائم.وبين الموقفين يرى محللون سياسيون أن واشنطن تسرعت في إعلانها الوصول إلى اتفاق بين الفلسطينيين والإسرائيليين للعودة للمفاوضات .

نفي متبادل

واللافت أن طرفي الصراع يتبادلان النفي حول القضايا التي أطاحت بالمفاوضات العام 2010. فإسرائيل تصر على أنها لم توافق على وقف الاستيطان واعتبار حدود 1967 أساس لهذه المفاوضات، في حين تؤكد القيادة الفلسطينية أنها لم تسقط هذه الشروط كمطلب فلسطيني عادل للعودة للمفاوضات، ما يثير الشك في طبيعة ما يدور في مطبخ الإدارة الاميركية بشأن هذا الملف، الذي يبدو أنه لم يشهد ذلك التقدم الذي سارع كيري إلى الإعلان عنه دون الخوض في تفاصيله.

ويرى مراقبون في تأجيل اللقاء بين كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات ووزير الخارجية الإسرائيلية تسيبي لفني في واشنطن إلى اسبوع آخر دليل على تعثر الاتفاق وعودة الخلاف.

قنبلة زمنية

ويشير المحلل السياسي تحسين يقين في حديثه لـ «البيان» إلى ان «الجهد الذي تبذله واشنطن، وتحركها اللافت في المنطقة الذي يستهدف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، يعكس قناعة أميركية بأن درجة غليان الوضع القائم على الجبهة الفلسطينية الإسرائيلية لم يعد يحتمل التأجيل».ويضيف يقين أنه «لابد من قنبلة وقت جديدة تفجّرها الإدارة الاميركية لتحريك هذا الملف مرة أخرى».ويوضح أن «أميركا وإسرائيل تريدان كسب الوقت في إدارة عملية تفاوضية بلا نتائج، عبر مواصلة سياسة إدارة الصراع عوضا عن ايجاد الحلول، لكن بشكل جديد ومصطلحات ومفاهيم جديدة، ظاهرها مختلف عن المفاوضات السابقة، وباطنها يظهر نية الإدارة الاميركية فرض حل مرحلي ومؤقت طويل الأمد، بما يتناسب والمعايير الإسرائيلية وبموافقة فلسطينية، وهو حل انتقالي ودائم في نفس الوقت تؤجل فيه قضايا القدس واللاجئين والحدود لكنه حل دائم يراد له أن يصبح مع الوقت والوقائع التي تصنعها دولة الاحتلال على الأرض أمرا واقعا».

إغراءات واهية

في غضون ذلك، لا يزال رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يقدم الإغراء تلو الآخر من حلول مؤقتة لإيقاع المفاوض الفلسطيني في الفخ من جهة، ولتخفيف الضغوط الدولية من جهة أخرى، كي لا تتهم إسرائيل بإفشال مساعي العودة للمفاوضات، تمهيدا لتحميل هذا الوزر للفلسطينيين المتمسكين بشروطهم، وبسبب «تصلبهم» حسب الدعاية الإسرائيلية.

أرض الميعاد

من جهة ثانية، فإن الغموض الذي يلف أخبار المفاوضات واللقاءات يثير تساؤلا حقيقيا حول مرجعية التفاوض التي تقدمها الإدارة الاميركية كحل وسط بين طرفي الصراع. والغريب أنه لم تتم الإشارة حتى الآن إلى اي من المبادرات التي تخللها مسلسل المفاوضات المستمر منذ عشرين عاما. فلا ذكر لمشروع وأفكار كلينتون عام 2000، ولا لمشروع اتفاق طابا 2001، ولا لخارطة الطريق 2004، ولا لمفاوضات محمود عباس - ايهود أولمرت 2008. كما انه لم يتم التوافق على استئناف المفاوضات من حيث توقفت، ولا تقبل اسرائيل اعتبار حدود العام 1967 ووقف الاستيطان مرجعية للتفاوض .

وعلى ضوء ذلك، يشير مراقبون لـ البيان» إلى أن الإدارة الاميركية تتبنى المرجعية الإسرائيلية الوحيدة التي تؤمن بها وهي مرجعية «أرض الميعاد وشعب الله المختار»، إلى جانب منح الفلسطينيين الحق في العيش والسكن على جزء من الأراضي، مؤكدين أن اسرائيل لن تقبل بحل غير هذا على أي طاولة تفاوضية، وفي أي زمان كان. مناورة نتانياهو

يرى المحلل السياسي سمير عباهرة، في حديثه لـ «البيان» أن «حكومة نتانياهو، التي رفعت وتيرة التوسع الاستيطاني خلال العامين الماضيين الى أقصى مدى فاق كل التقديرات والتوقعات، وكانت حريصة أيضا على التصعيد في البناء الاستيطاني على وقع جولات جون كيري، على استعداد لاعلان وقف الاستيطان في إطار مناورته الرامية إلى إلصاق فشل المساعي الأميركية الجديدة بالقيادة الفلسطينية، التي إن استجابت للضغوط الأميركية والدولية». ويضيف عباهرة إن نتانياهو سيحاول كسب الوقت مجدداأ وتفادي تطور الموقف الأوروبي من الاستيطان، وتفادي دخول فلسطين في الهيئات الدولية.ويوضح انه «في الوقت نفسه، ستتوقف حكومة نتانياهو عن طرح عطاءات جديدة للبناء، بينما تتواصل أعمال البناء الجارية، والتي قد تستغرق عامين أو أكثر لإتمام التوسعات نظرا للتوسع الكبير الذي أطلقه نتانياهو خلال عامين تمهيدا ليوم كهذا تجبر اسرائيل فيه على وقف الاستيطان». وبهذا المعنى لا يمس تجميد الاستيطان استراتيجية التوسع، ويبقى نتانياهو في حالة تخوله قلب الطاولة في اي لحظة محملا القيادة الفلسطينية مسؤولية الإخفاق في التوصل إلى حل. البيان