لم يكن بزوغ فجر نهضة عُمان في الثالث والعشرين من يوليو لعام 1970 يوماً عادياً لإنسان عُمان، الذي ترقب تلك اللحظة الفارقة في مسيرة حياته بعد عقود من الانتظار للخروج من الظلام إلى النور.

وإذا كانت الحكومة العُمانية بقيادة السلطان قابوس بن سعيد سلطان عُمان، قد عملت بجد وحكمة طوال السنوات الماضية، لبناء غد مشرق لجيل عُمان، ولانتشال الإنسان من غياهب التخلف والمرض والرجعية التي كان يعيشها، فإنها سارعت في السير في نهج الخطط التنموية الخمسية التي كانت أول الدول في المنطقة التي تخطط لبناء تنموية على خطى برامج خمسية تستهدف من ذلك السير على منهج عملي مدروس يحقق البناء الطموح الذي رسمه السلطان قابوس منذ اللحظة الأولى لتقلده مقاليد الحكم في السلطنة.

وهو ما أكده منذ أول خطاب، من أجل العمل بأسرع ما يمكن لجعل العمانيين يعيشون في سعادة، وملاحقة ركب البناء والتنمية الجارية في العالم. مؤكداً «عزمنا على العمل من أجل بناء الدولة الحديثة والنهوض بالبلاد في شتى المجالات قدر المستطاع، ومن ذلك الحين فقد أخذنا بالأسباب لتحقيق ما وعدنا به».

منهاج العمل

هكذا كانت الرؤيا والرؤية، فقد كان منهاج العمل يسير حسب ما رسم له منذ بدايات النهضة العمانية في 23 يوليو 1970. وهو ما كان ليتحقق لولا تعاون وتعاضد إنسان عمان الذي أدرك أن البناء يراد له عزيمة وإصرار وتكاتف بين الحكومة والشعب، لذلك فقد شمر عن ساعديه من أجل تحقيق متطلبات البناء لمرحلة تتطلب تسارعاً للحاق بركب التقدم والوصول للعالمية.

وهذا ما أكد عليه السلطان قابوس منذ انطلاق مسيرة النهضة العمانية، على أن المواطنة العمانية ليست فقط من خلال تأكيد الاعتزاز والفخر بها والمساواة في إطارها، ولكن أيضاً من خلال البعد الإيجابي لها، ذلك المتمثل في ضرورة الإقدام والمشاركة والإسهام في إعلاء صرح البناء الوطني في كل المجالات، وعلى المستويات كافة، ومن جانب كل أبناء الوطن.

ولعل ما يقلق الشارع العماني بعد أحداث الربيع العربي، هو الأمن الاجتماعي الذي كان ولا يزال المحرك الأساس والمطلب الأهم لاستقرار الأمن العام، ولا شك أن نسبة الفقر في عُمان غير معلنة رسمياً - لكنها تشكل الهاجس الأكبر بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وهي تسبب مشكلة وحساسية بين السكان العمانيين الذين ينتظرون حياة الرفاه، كما هو الحال لدى أقرانهم في دول الخليج، وهي الدول الأكبر من حيث تصدير كمية النفط، مقارنة مع دخل عُمان البالغ أكثر من 984 ألف برميل يومياً، لكن العمانيين يؤكدون أن بلادهم تنعم بخيرات كبيرة، سواء من النفط أو الثروة السمكية أو القطاع السياحي غير المستغل حتى الآن، بجانب الثروة الزراعية والمعدنية.

نهضة جديدة

وبعد مرور 42 عاماً من عمر النهضة العمانية، فإن مرحلة نهضة جديدة تنتظرها عُمان بعد اكتمال البنية الأساسية لقطاعات كبيرة في البلاد، وهو ما أكده السلطان قابوس في آخر لقاء مع أعضاء مجلس عمان العام الماضي، وهذا ما يؤكد أن مرحلة انتقالية ينتظرها الشعب العماني لإثراء أمنه الاجتماعي بجانب محفزات الاقتصاد الوطني التي تشرف على اكتمال منظومته من موانئ ومطارات ومصانع.

وإذا كان الشغل الشاغل الآخر الذي يجعل من عمان تعيش حراكاً بين فئات الشعب، وهو حراك شعبوي، يتمثل في نسبة الباحثين عن العمل من المخرجات التعليمية الكبيرة، سواء الجامعات أو الدبلوم العام وغيرها، وهو ما كان يوحي بوجود ضعف في إدراك القائمين على التخطيط في إيجاد خطة وطنية كبيرة لسنوات طويلة، تستوعب أعداد الباحثين عن العمل، وليس لمجرد صدور الأوامر السلطانية لتشغيل الباحثين عن عمل، وهو ما قد يشكل عبئاً على الخطط المالية والتنموية والإدارية.

ولكن يدرك العمانيون أن قيادتهم تعي الأهمية المستقبلية لجيل عمان المتعطش للحصول على وظيفة تؤمن عيشه وبناء مستقبله. وهو ما تعمل على جعله برنامجاً وطنياً مهماً، لأن الاستقرار المعيشي للفرد يؤكد ويدعم الأمن الوطني للبلاد، فالحالة الاقتصادية هي القاعدة الصلبة لمستقبل الأجيال، التي تؤمن رفاهية العيش لإنسان عمان، فوجود قاعدة اقتصادية كبيرة ومتنوعة، تعطي تنوعاً في المدخول الاقتصادي للبلاد، وتسهم في تشغيل كوادر كبيرة من أبناء عمان.

سياسة حكيمة

ولعل المشاريع التنموية الاقتصادية المنتشرة في ربوع عمان اليوم، تؤكد نجاح السياسة الحكيمة للقيادة، والتي أخذت سنوات طويلة من التخطيط والبناء، حتى بدأت اليوم تؤتي ثمارها، ولكن لا يزال يتطلب معها الكثير من الجهد، سواء من القيادة أو الباحثين عن عمل، من أجل تقبل الوضع والعمل في مؤسسات القطاع الخاص الذي هو المحرك الأساس للتنمية، وليس التمسك بمؤسسات الدولة كقطاع عام، وهو تحد كبير يجب أن تسعى الحكومة على إقناع الشباب بذلك، من أجل عدم جعل القطاع الحكومي متشبعاً ويعاني ترهلاً من أعداد الموظفين.

ولا شك أن المؤشرات تدل على تطور قطاع السياحة في السلطنة، من خلال الالتزام بالتنمية المستدامة للقطاع السياحي الذي يرتكز على تحقيق التنمية الاقتصادية، ويوفر فرص العمل، ويحافظ على الإرث الطبيعي والتراث الثقافي، ويحقق التعايش السلمي بين الثقافات، والعمل على زيادة الاستثمارات وترويج السلطنة كوجهة سياحية، من خلال توظيف الميزات النسبية لزيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي، في إطار سياسة تنويع مصادر الدخل القومي، والمساهمة في إيجاد فرص عمل مع المحافظة على البيئة الطبيعية والاجتماعية والثقافية.

 وهو مرتكز أساس تسعى السلطنة للعمل من خلاله في المرحلة المقبلة، من أجل رفد الدخل الوطني، خاصة بعد القرار الأخير بتخفيض رسوم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في القطاع السياحي، من أجل تشجيع الشباب على فتح مشاريع سياحية تعزز دورهم في إنعاش القطاع الذي تعول عليه الحكومة كثيراً في المستقبل، من أجل تدعيم الناتج المحلي الإجمالي.

وبلغت مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي الإجمالي في عام 2012، (القيمة المضافة لقطاع السياحة) بلغت 719.3 مليون ريال عُماني، بزيادة بلغت 18 في المئة عن النسبة التي بلغتها القيمة المضافة للقطاع، والبالغة 609.7 ملايين ريال عام 2011، وارتفعت المساهمة النسبية لقطاع السياحة إلى 2.4 في المئة عام 2012، مقارنة مع 2.2 في المئة محققة في عام 2011. وبينت الإحصاءات زيادة نسبة عدد السياح القادمين للسلطنة في عام 2012، إلى حوالي 48 في المئة.

كل ما تقوم به الحكومة العمانية اليوم على الأرض، هو هدف أساس لإسعاد الإنسان العماني، المتعجل لحياة جديدة تشكل بوابة تفتح له آفاقاً كبيرة، وهو ما تدفع به عجلة التنمية المتسارعة التي شهدتها السلطنة في الفترة الأخيرة، من أجل قيام دولة المؤسسات التي تعطي كل ذي حق حقه، وأن القانون أساس العدل والمساواة في خدمة الوطن الكبير.

 

دولة القانون

جاء تأكيد السلطان قابوس في افتتاح الانعقاد السنوي لمجلس عمان في نوفمبر 2012 على ثوابت مسيرة الشورى في عمان وآفاق تطلعاتها التي تسعى للرقي بالإنسان العُماني الواعي والذي يشارك في بناء وطنه بكل جدارة وحكمة واقتدار، من منطلق حرص الرؤية الحكيمة واهتمامهـا بقيم الشراكـة وتعــدد الآراء.

وشدّد السلطـان قابوس على أن الشورى "تجربة ناجحة والحمد لله جاءت متسقة مع مراحل النهضة متفقة مع قيم المجتمع ومبادئه متطلعة إلى بناء الإنسان الواعي لحقوقه وواجباته المعبر عن آرائه وأفكاره بالكلمة الطيبة والمنطق السليم والحكمة المستندة إلى النظرة الصائبة للأمور". وقد حظي مجلس الشورى في فترته الخامسة بمجموعة من الصلاحيات التشريعية والرقابية عُدت مكسباً مهما في مسيرة الشورى العُمانية.