إذا كان الرئيس الأميركي باراك أوباما يعترض في الأساس على تسليح المعارضة السورية، من زاوية أنه رئيس إغلاق باب الحروب وليس فاتحها؛ فإن «البنتاغون» تعطي هذا الاعتراض ما يحتاجه من تسويغات عسكرية ميدانية لتعزيز حجة صاحبه. ثمة من يرى في هذه التسويغات ذرائع غير متماسكة وربما متأثرة باعتبارات سياسية. هناك فريق واسع من المعترضين على التوغل في الأزمة السورية ما انفك يردّد التحذيرات نفسها مثل أن «من نريد تسليحهم لا نعرفهم، وقد ينتهي السلاح الذي نقدمه لهم في أيدي أعدائنا المتطرفين»، وأنه «لا مصلحة أميركية في سوريا». هذا الفريق موزّع بين «الكونغرس» ووسائل الإعلام وبعض مراكز الأبحاث وخبراء السياسة الخارجية. ولعب دوره في استمرار الإدارة بالتمسك بموقفها وعدم التجاوب مع الأوساط التي طالما دعتها إلى مغادرة الغموض والانتقال إلى ساحة الدعم الفعّال للمعارضة السورية. وبالتحديد الجيش الحرّ . في المقابل، كانت ومازالت هناك دوائر أخرى تدفع بالاتجاه المعاكس وترفض هذه المزاعم مع تبريرات «البنتاغون حيث ترى فيها ذرائع غير متماسكة وربما متأثرة باعتبارات سياسية».

مطالعات «البنتاغون»

من بين الفريق الأول، كانت مطالعات «البنتاغون» ومازالت الأكثر تأثيراً، أو الأكثر أهمية، كان لها وقعها الخاص. فهي صادرة عن الجهة المختصة المفترض أنها على معرفة ودراية بهذا الشأن. «العسكريون هم من يعتمد عليهم في التنفيذ إذا اتخذ القرار بتصعيد التدخل، لذلك كلمتهم مسموعة وإن لم يأخذ البعض بها»، يقول الباحث المختص في شؤون المنطقة في مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن آرام نرغوزيان، في جوابه على سؤال «البيان». ويضيف أن ما يعطي لتسويغهم وقعه هو أنه يأتي «على خلفية حربي العراق وأفغانستان، فضلاً عن تحوّل الأولوية إلى الساحة الآسيوية وعن تداعيات خفض موازنة البنتاغون السنوية خمسين مليار دولار، وربما يصل إلى مئة مليار».

مناقشة حادة

من البداية اعتمدت وزارة الدفاع هذا الخط . تولى شرحه رئيس هيئة الأركان الأدميرال مارتن دامبسي اكثر من مرة امام لجان «الكونغرس» المختصة. آخرها كان الخميس الماضي أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، حيث دارت مناقشة حادة بين دامبسي الذي كرّر التحذير من عواقب استخدام القوة العسكرية الأميركية في سوريا؛ والسناتور الجمهوري جون ماكين الذي كرّر هو الآخر استغرابه من موقف «البنتاغون» وامتناع رئيس الأركان عن الإفصاح عن الخيارات التي رفعها إلى أوباما؛ كما امتناعه عن الجواب على سؤال السناتور حول أيهما يتسبب بالضرر أكثر لمصلحة اميركا: «التسليح ومنطقة الحظر الجوي أم استمرار الإدارة في موقفها الراهن؟».

قانون وانحياز

مطالعة «البنتاغون» العسكرية تستقوي بتحذيرات مختلفة من مخاطر الانغماس في الوضع السوري. وأوباما يستقوي بها، أي المطالعة. فهي «تعطيه ذخيرة إضافية وتعزّز ممانعته للنزول إلى ساحة الأزمة»، كما يقول نرغيزيان. في «الكونغرس» طرح أحد أعضاء مجلس الشيوخ ران بول، المحسوب على «حزب الشاي» يمين الجمهوريين، مع زملاء له من حزب الرئيس الديمقراطي، مشروع قانون يحظر على البيت الأبيض المضي بأي تسليح للجيش الحرّ إلاّ بعد موافقة الكونغرس. ليس من المتوقع مروره. لكنه يعزّز موقفي «البنتاغون» والبيت الأبيض. كما تعززهما تحفظات دوائر ومرجعيات على اي خطوات عسكرية، بحجة أنه «ليس لواشنطن مصلحة استراتيجية في الوضع السوري»، على حدّ ما قال وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر وغيره من هذه الأوساط. هذه مواقف تصبّ في طاحونة أوباما المنحاز لـ«البنتاغون» في الملف السوري. او في طاحونة هذا الأخير المنحاز إلى البيت الأبيض، خلافاً لوزارة الخارجية التي ما انفك يتردد في واشنطن أنها كانت منذ ايام هيلاري كلينتون وإلى اليوم على خلاف مع «البنتاغون» في هذا الخصوص.