باع البنك المركزي التركي 1.3 مليار دولار خلال الأيام الماضية لدعم الليرة مع استمرار فرار رأس المال الأجنبي وسط مخاوف بخصوص السياسة النقدية الأميركية والشكوك السياسية في تركيا والتي هبطت بالليرة نحو تسعة في المئة أمام الدولار منذ مايو الذي شهد نصفه الثاني تفجّر احتجاجات ميدان تقسيم والذي تمدّد لاحقاً شرقاً وغرباً بسبب احتجاجات على مشروع تطوير متنزّه جيزي.

هذه الرقص على صفيح ساخن الذي تبع الاحتجاجات المناهضة لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قد يعرض للخطر التصنيف الاستثماري السيادي لتركيا التي حقّقت خلال السنوات العشر الماضية إنجازات كبيرة انتشلت الليرة التركية من مستنقع الأصفار التضخمية.

والآن بعد هذه الأيام العصيبة التي عصفت بالاقتصاد التركي الذي كان حتى وقت قريب الضوء الوحيد في منطقة اليورو ومحيطها تبدو القيادة التركية مجبرة على خوض مواجهة مع رجال المال الأتراك ولاتخاذ خطوات قاسية. وهذا ما بدا جلياً من تدخلات البنك المركزي التركي في ضخ النقد الأجنبي لحماية الليرة، والتصريحات اللاذعة لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ضد لوبي أسعار الفائدة.

ووسط مخاوف من تدافع المستثمرين الأجانب على التخلص من أصولهم بعد الاحتجاجات المتكررة التي شهدتها تركيا ضد الحكومة منذ مايو أرسلت الحكومة التركية، التي يتكئ اقتصادها على المبادلات التجارية مع منطقة اليورو وعلى الاستثمار، رسائل تطمين عدة إلى المستثمرين من أنّ تركيا وسوقها سيبقيان الحضن الدافئ للاستثمار.

لكن هذه التطمينات وإن تداركت سريعاً «انتكاسة» كانت تتخفى وراء الأبواب عابرة رياحها العاصفة المحيط الأطلسي بعد التصريحات الصادرة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي حيال إعادة النظر في برنامج التحفيز الاقتصادي المعمول به منذ العام 2009 فإنها تبدو عاجزة عن حجب الحقيقة المتمثلة في ارتفاع العجز في الميزان التجاري الخارجي التركي بنسبة تزيد على 50 في المئة خلال العام المنصرم.

قد تتخذ السلطات المالية التركية، والتي عقدت عدة اجتماعات استثنائية شارك بها رئيس الحكومة شخصياً، المزيد من الخطوات الحمائية، والآن الأنظار باتت تتجه إلى يوم 23 يوليو والذي يراهن كثير من المراقبين على أنّه سيشهد «انصياعاً» للحكومة التركية لعوامل الضغط السوقية ويرفع نسبة الفائدة الائتمانية، لكن العارفين بالفكر الاقتصادي التركي وبطريقة تفكير رجب أردوغان يبدون على يقين بأنّ هذه الرفع سيكون في الحدود الدنيا ليساير الوضع الضاغط.

ولكن، إلى متى يمكن للحكومة التركية وبنكها المركزي تحمّل تبعات تسييل الملايين والمليارات من الاحتياطيات الأجنبية لمواجهة خطر «ابتلاع» سعر الصرف الدولاري لليرة؟

المؤشرات الاقتصادية المتوافرة، بما فيها «تبييض» تركيا قبل نحو شهرين دفتر ديونها لدى صندوق النقد الدولي، تنبئ بأنّ الاقتصاد التركي قادر على عبور هذه «الأزمة» التي يشكك البعض بعلاقتها باللوبيات المالية العالمية التي تزعجها صلابة الاقتصاد التركي في محيط مريض، وبالخطوة الجريئة التي أقدمت عليها تركيا بخلع أغلال الديون التي كانت تكبل الاقتصاد التركي لأكثر من نصف قرن.