جرى ترتيب زيارة الوزير جون كيري السادسة إلى المنطقة، على عجل لافت. في العادة يجري الإعلان عن زياراته الخارجية وجدول أعمالها، قبل أيام من بدئها. هذه المرة كشف عنها قبل ساعات فقط من مغادرة الوزير ومن دون تفاصيل عن كامل برنامجها، إلاّ لاحقاً. صحيح هي مقرّرة سابقاً. لكن موعدها بقي بلا تحديد، خاصة وأن زوجة كيري كانت قد دخلت المستشفى، الأسبوع الماضي، ولا زالت في مستشفى آخر انتقلت إليه "لإعادة التأهيل "، من دون الكشف عن العلّة. العجلة أوحت بأن هناك ما طرأ وينبغي التقاطه لتفعيله أو تطويقه لتعطيله.
وخلافاً للزيارات الخمس السابقة، رافق الإعلان عن زيارته، تلميحات وإشارات تحمل على الاعتقاد بأن واشنطن لا تستبعد وربما تتوقع حلحلة قريبة هذه المرة، تمهّد لإقلاع المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية. فالمسئولون تحدثوا بلغة "وجود فرصة لإحراز خطوات إلى الأمام" وإلاّ لما تحمّل كيري أعباء السفر "وزوجته لا تزال تحت المعالجة".
وبالتزامن مع هذه الإشارات، تسرّبت معلومات تعمّدت الخارجية عدم نفيها؛ تفيد بأن واشنطن هدّدت السلطة الفلسطينية بوقف المساعدة المالية السنوية 500 مليون دولار في حال واصلت التمسك بشروطها المسبقة، المتعلقة بالمستوطنات والحدود بشكل خاص.وقيل في المقابل، أن واشنطن قد تكون حصلت على وعود إسرائيلية بإطلاق سراح مساجين فلسطينيين، 130، كان من المفترض إخلاء سبيلهم بموجب أوسلو. بالإضافة إلى إزالة عدد من المستوطنات النائية، التي كان من المتوجب إزالتها من زمان. لكن بشرط ألا يكون ذلك تلبية لشروط فلسطينية مسبقة وأن تكون هذه "التنازلات" ( !)
آخر ما يمكن أن تعطيه إسرائيل. يعزّز ذلك أن كيري حصر لقاءه بالرئيس عبّاس، على طاولة عشاء بمفردهما لحمله على قبول العرض الإسرائيلي، من باب تصوير هذا القبول وكأنه رمي للكرة في ملعب نتانياهو. وفسّر ذلك بأن زيارته جاءت لإبلاغ الرئيس عباس بالمطروح الذي ينبغي عليه عدم رفضه. وعدم شمول إسرائيل في جولته مقصود وإن غير مألوف، للإيحاء بأنه لم يعد هناك ما يمكنه انتزاعه منها. وتشير أوساط كيري إلى أنه ترك بعد زيارته الأخيرة، اثنين من مساعديه أحدهما من الدائرة القانونية، في القدس ورام الله للعمل مع الجانبين على "تجاوز العوائق" على طريق ترتيب طاولة التفاوض. لكن من غير الإفصاح عن مثل هذه التفاصيل أو عما إذا كان عملهما قد قطع أي شوط في هذا المجال، باستثناء ما تسرّب عن ما سمي بآخر "تنازلات" إسرائيل.
تتحرك إدارة أوباما بخصوص المفاوضات في سباق مع الوقت. دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة باتت على مسافة شهرين. بلوغ هذا الموعد من دون استئناف التفاوض، يعني عودة الملف إلى المنظمة الدولية التي تعتزم السلطة الفلسطينية الانضمام إلى المزيد من منظماتها الفرعية. خاصة المحكمة الجنائية الدولية التي تنفتح آنذاك أبوابها أمام الشكاوى الفلسطينية ضد إسرائيل. إجراء من شأنه أن يحمل الكونغرس على وقف المساعدة إلى رام الله. خطوة تعمل الإدارة على استباقها عبر مائدة المفاوضات التي استثمرت فيها رأس مال سياسي ملحوظاً: ست زيارات وربما السابعة على الطريق قبل نهاية الصيف. لكن إدارة هذا الاستثمار افتقرت إلى الشروط المؤدية إلى المردود المرغوب.
أهمها حرص واشنطن باستمرار على مداراة الألغام الإسرائيلية بدل التعامل معها بكاسحات الألغام لإزالتها. عطب مزمن في السياسة الأميركية. وإدارة أوباما ما زالت غير راغبة في الخروج عليه. مسارعة نتانياهو عشية زيارة كيري، إلى مطالبة واشنطن بإعادة ترتيب أولوياتها وبما يؤدي عملياً إلى صرف النظر الآن عن موضوع الدولتين، بزعم أن النووي الإيراني يجب أن يتصدر الاهتمامات الأميركية؛ ليس في توقيته أقل من لغم لنسف احتمالات تركيب طاولة المفاوضات.
كيري عازم على عقد المفاوضات. أجواء واشنطن ترجّح أن الجلوس حول الطاولة بات وشيك الحصول. السؤال: ماذا بعد؟ من دون دور أميركي فعّال المفاوضات محكومة سلفاً بدوامة أوسلو المستمرة منذ عشرين سنة. الإدارة لا تلتزم بذلك. تلمّح إلى "دور مساعد" من خلف الستار. هل يكفي أم مجرد وعود معسولة؟