بين «الجزائر» و«سوريا» يتأرجح المشهد المصري، وإن كان إلى الأخيرة أقرب على ما يرى مراقبون، ففي أعقاب ما شهد من اجتياح شعبي للميادين عزل الرئيس محمد مرسي، تكهّن البعض بتكرار السيناريو الجزائري وحربه الأهلية في تسعينات القرن الماضي التي خلّفت 150 ألف قتيل، إلّا أنّ تطوّرات شهدها الشارع قبيل أيام من تهديدات مرشد جماعة الإخوان المسلمين بتأسيس ما يسمى «الجيش المصري الحر» عزّزت مخاوف آخرين من اقتراب شبح «السيناريو السوري»، لافتين إلى أنّ «الإخوان» بدأت تنفيذ تهديداتها عملياً وبصورة تدريجية عبر الترويج لفكرة أن ما حدث في 30 يونيو انقلاب عسكري، فضلاً عن إخراج تعبيرات ومصطلحات مثل «شبيحة السيسي» على غرار «شبيحة الأسد» في سوريا.
ولعل ما عزّز من تخوّفات المصريين تصريحات قيادات من التيّار الإسلامي هددوا فيها باستخدام العنف حال لم يعد الرئيس المعزول محمد مرسي إلى سدة الحكم مُجدداً، وهي التصريحات التي عزّزتها تحرّكات إرهابية في سيناء ومُحاولات للاشتباك مع قوات الجيش المصري، فضلاً عن حملة تشويه تُقاد ضد القوات المسلحة المصرية بوجهٍ عام خلال الفترة الحالية خاصةً في سيناء، والتي دفع القيادي الإخواني محمد البلتاجي بضلوع الإخوان في الأزمة هناك لما ساوم القادة المصريين بإعادة مرسي إلى الحكم مقابل وقف أعمال العنف في سيناء.
تباين معطيات
ووفق ما يؤكد مراقبون فإنّ الشارع المصري ليس بيئة خصبة لنمو تلك الجماعات الإرهابية التي تُهدد الأمن والاستقرار وتفتعل صداماً مع قوات الجيش، وأنّها تتحرك الآن داخل سيناء بدعم ومباركة «الإخوان»، ما يُمهد الطريق لتحقق السيناريو السوري، إلّا أنّ طبيعة المشهد مختلفة جذرياً، إذ إن الفجوة الطائفية ليست موجودة على النحو الخطير، كما أنّ حجم القاعدة الشعبية الرافضة للإخوان وحلفائهم تزايد بشكل ملحوظ، فضلاً عن تماسك الجيش المصري بدلالة أنّه وطوال تاريخه الطويل لم يشهد أية بوادر انشقاق.
قوة جيش
وبشأن إمكانية تحقّق السيناريو السوري يؤكّد الخبير العسكري والاستراتيجي حسام سويلم، في تصريحات لـ«البيان»، أنّ الجيش المصري صامد وقوي ولم يشهد عبر تاريخه أية انقسامات، ما يجعل من إمكانية تكرار السيناريو السوري في مصر «محضُ خيال»، مشيراً إلى أنّ «الجيش لن يسمح بذلك أبداً لأنه أمر ليس في عقيدته، وأنّ الشارع نفسه لن يسمح بتكرار سيناريو سوريا في مصر، يعضد من ذلك اختلاف طبيعة البلدين والظرفين السياسي والاجتماعي»، مشدّداً على أنّ «الجيش مستعد لمواجهة أي أعمال تخريبية قد تقوم بها فصائل وعناصر التيّار الإسلامي».
محاولات جر
من جهته، لفت الخبير الاستراتيجي والعسكري اللواء فؤاد فيود، في تصريحات لـ«البيان»، إلى أنّ «هناك محاولات لجر أقدام الجيش إلى هذا المصير الغامض وتكرار السيناريو السوري بمصر، من منطلق حالة من عدم المسؤولية لدى بعض الفصائل التي يفوق رغبتها في السلطة الشعور بالوطنية لديها والرغبة في الحفاظ على أمن واستقرار البلاد، قائلاً: «لن يستطيع هؤلاء جر مصر إلى ذلك السيناريو، لاسيّما في ظل تماسك الجيش والشعب، لأنّ عواقب تكرار السيناريو السوري في مصر وخيمة على المستوى الإقليمي، نحن نتحدث عن أكبر دولة عربية في المنطقة وسقوطها يعني انهيار كل شيء فلن يجني أحد ثمار السلطة، وسوف يضيع الوطن كله، بالتالي فلن يرحب أحد بذلك مطلقاً».
تغييرات منطقة
وأوضح مراقبون أنّه حال تكرار السيناريو السوري في مصر، فإن ذلك يدفع بتغيرات جذرية بالمنطقة، وعلى الوضع الإقليمي في الوقت الذي تسعى فيه جماعة الإخوان لإثارة القلاقل في سيناء باستغلال أنصارها هناك من حركة «حماس»، بالتالي فإن الاتهامات تلاحق عناصر «حماس» والعناصر الجهادية، كونهما يقومان بسيل عمليات ضد الأمن القومي المصري في محاولة لإحراج القوات المسلحة دولياً والدفع بها إلى مصير عنيف، مشيرين إلى أنّ «الأجواء الحالية بمصر تدفع إلى تطوّرات خطيرة على صعيد الحدود المصرية بين غزة وإسرائيل، في وقتٍ تدفع عناصر إرهابية بأعمال عنف لإحراج الإدارة المصرية، وربما إجبار قوى المجتمع الدولي على اتخاذ ذلك ذريعة لوجود عناصر من قوات دولية في هذه المناطق، بما يخدم أمن إسرائيل».
تصفية حسابات
شدّد الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم في تصريحات لـ«البيان»، على أهمية ثقة الشارع في الجيش الذي لن يسمح بأي سيناريو مثل السيناريو السوري الذي يدفع البعض الساحة إليه، ويُحاولون أن يُكرروه بصورة أو أخرى الآن، معتبراً أنّ «بعض الفصائل الإسلامية ضالعة في هذا الشأن بمحاولتها جاهدة تصفية حساباتها مع الجيش والدفع بأعمال عنف، الأمر الذي كشفه القيادي في «الإخوان» محمد البلتاجي، معتبراً في السياق أن أي حديث عن تكرار السيناريو السوري في مصر غير منطقي، لأنّ الجيش المصري متماسك وقوي ولم يشهد عبر تاريخه أية انقسامات.