حطّ في القاهرة في أول زيارة مسؤول أميركي في عهد «ما بعد مرسي»، إنّه نائب وزير الخارجية ويليام بيرنز الذي ملأت زيارته المكان جدلاً وتساؤلات بشأن ما وراء الكواليس، وما يقال ويبحث بعيداً عن أعين الكاميرات وأقلام الصحافة، لا سيّما أنّ الزيارة تأتي في إطار تقويم الموقف الأميركي من المشهد الراهن، لتتزامن في مصادفة محضة مع اشتباكات عنيفة بين مؤيدي مرسي وعناصر الشرطة، في ظل نداءات قيادات من جماعة الإخوان المسلمين تطلب تدخّل الغرب لإنقاذ مصر مما يسمونه «الانقلاب العسكري».

ويؤكّد مراقبون أنّ «الزيارة حملت اعترافاً أميركياً ضمنياً بالنظام القائم في مصر، الأمر الذي دفع قيادات الإخوان لشن هجوم حاد على واشنطن»، لا سيّما أنّ الجماعة كانت تعول على أميركا الكثير في تصحيح الأوضاع لصالح قوى الإسلام السياسي.

زيارة استكشاف

أتى بيرنز إلى القاهرة متأبطاً جملة ملفات وتساؤلات للإدارة المصرية في زيارة استكشافية، فضلاً عن جملة من التوصيات، مطالباً الفاعلين على المشهد السياسي التهدئة، وكان الملف الأخطر الذي تناوله مع المسؤولين في مصر متعلقاً بسبل إدارة المرحلة الانتقالية، وآليات تقليص أجلها لاستقرار مصر، فضلاً عن وضعية جماعة الإخوان في النظام الجديد، وتأكيدات على أهمية عدم إقصائهم من المشهد السياسي، فيما لم ينس إيصال رسالة واضحة من الولايات المُتحدة الأميركية مفادها «أميركا لا تدعم أي طرف من الأطراف»، في مُحاولة للتغطية على موقف الرئيس باراك أوباما الداعم للإسلام السياسي بالمنطقة، والخسائر التي تكبدتها الإدارة الأميركية في سبيل ذلك.

تطوّرات مشهد

وحملت زيارة بيرنز تساؤلات حول تطوّرات الأوضاع في مصر الآن، واعتصام مؤيدي الرئيس مرسي في الميادين، مع تصاعد وتيرة أعمال العنف والشغب بمناطق متفرّقة في مصر، وعلى رأسها منطقة سيناء، فضلاً عن مناقشة كل الرؤى والسيناريوهات المطروحة على مائدة الإدارة المصرية من أجل تهدئة الأوضاع، إذ أعلن بيرنز في مؤتمر صحافي عقده عقب انتهاء مباحثاته، عن أمله في أن تشهد مصر حكومة مدنية منتخبة بأسرع ما يمكن لتعجيل عجلة المرحلة الانتقالية.

علامات استفهام

وجاءت زيارة بيرنز التي غلب عليها الطابع الاستكشافي، لتطرح المزيد من علامات الاستفهام حول طبيعة الموقف الأميركي الراهن من التطوّرات في مصر، إذ إن بيرنز بدا طيلة مشاوراته التي شملت الرئيس المؤقت عدلي منصور، ووزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي، ورئيس الحكومة حازم الببلاوي، وبعض من القيادات الحزبية مثل محمد أبو الغار، بدا مؤكداً على كون أنّ أميركا لا تنحاز لطرف على حساب طرف آخر، وأن كل ما يهمها هو مستقبل التحوّل الديمقراطي.

ورفضت جماعة الإخوان لقاء بيرنز، فيما أكد نائب حزب الحرية والعدالة عصام العريان، على أنّ الجماعة لا تعول على أميركا ولا تثق بها، وهو الأمر الذي أكد على انفصال بدا في الأفق بين إدارة الإخوان وواشنطن، رغم حالة الوفاق التي بدت بينهما مؤخراً، والتي دفعت بمساندة واشنطن للجماعة للوصول لسدة الحكم.

وراء كواليس

وبرّر الخبير السياسي البارز عبد المنعم سعيد هذا الانفصال الذي حدث بين «الإخوان» وواشنطن، بوجود اتفاق جرى في الكواليس بين الإدارتين الأميركية والسعودية لدعم مصر والنظام الجديد. نفى بيرنز خلال الزيارة ولقاءاته القادة المصريين إمكانية تحوّل المشهد المصري إلى الملامح السورية، لما أسماه اختلاف المعطيات في كلا البلدين، وسط اعترافات أميركية بالإدارة الجديدة في مصر، وتخلٍ واضح عن «الإخوان»، لا سيّما في أعقاب تأكيد بيرنز أنّ بلاده لن تطرح حلولاً، وأنّ المصريين وحدهم القادرون على معالجة أوضاعهم.

اتفاق فرقاء

رغم نقاط الاختلاف، اتفق فرقاء الثورة في مصر من قوى سياسية وثورية، بمن فيهم فصائل الإسلام السياسي، على رفض لقاء بيرنز، مؤكّدين على رفضهم ما سمّوه التدخّل الأميركي في الشأن المصري الداخلي، إذ رفضت جبهة الإنقاذ لقاءه، وكذلك حملة «تمرّد» وجماعة الإخوان وحزب النور السلفي.