مساء يوم الجمعة الماضي، وقف شاب في مقتبل العمر وسط مقهى كلاسيكو، جنوبي كركوك، وقال للحاضرين «سامحوني»، وكرر صيحة «الله اكبر» ثلاث مرات ثم فجّر نفسه وسط الجميع متسببا بمقتل 39 شخصاً وجرح عشرات آخرين.

وأصبح بعض العراقيين يتشككون في الاعتذار منهم، فعندما يخطئ احدهم، ويقول: «سامحوني» يرجوه من حوله بالابتعاد عنهم، فهذا اللفظ بات رمزا لـ «تفخيخ» يودي بحياتهم وحياة العشرات معهم.

مسألة لافتة للنظر، ومثيرة للاستغراب.. لماذا يطلب منهم أن يسامحوه، ويقتلهم!؟

لا أحد يستطيع الإجابة عن أسباب ودوافع القتل العبثي الذي يسود العراق حاليا، حيث الوضع الآن أسوأ بكثير عما كان عليه في أعوام الحرب الطائفية من العام 2005 إلى 2008، لأن القتيل مجهول، والقاتل مجهول أيضا.

ويرى المراقبون أن هناك جهات «غامضة»، تريد إبقاء الأزمة العراقية، السياسية والاجتماعية والخدمية، مستمرة، ربما من اجل استمرار البقاء في الحكم بحجة وجود إرهاب ومؤامرات، أو من أجل إضعاف الحكم وإسقاطه، لأنه لا يستطيع معالجة الأوضاع السياسية والأمنية والخدمية.

أزمة متفاقمة

وفي كل الحالات، يرى المراقبون أن هناك أزمة متفاقمة، وان سوء الإدارة خلال الأعوام الأخيرة أوجد تذمرا شعبيا واسعا، ما أدى إلى تظاهرات واعتصامات في عدد من المحافظات لا تزال مستمرة، منذ أواخر العام الماضي لحد الآن، حيث أدى اليأس من تحقيق المطالب سلميا إلى لجوء جهات معينة إلى الطريق الآخر، وفي المقابل، كانت جهات في الحكومة أو مؤيدة لها، تراهن على أن التظاهرات والاعتصامات ستنتهي من تلقاء نفسها، بعد أن يصيبها التعب والوهن، ولمّا لم يتحقق ذلك، فمن السهل عليها تنفيذ عمليات نوعية، وإلصاقها بالمتظاهرين والمعتصمين، أو اتهامهم بالتحريض عليها بهدف إيجاد مسوغات لضربهم.

الحكومة تعلم

وما يثير الانتباه أيضا، أن وزارة الداخلية العراقية نشرت بيانا رسميا، توقعت فيه أن يكون شهر رمضان الحالي دمويا، أكثر من الأيام التي سبقته، ومثل هذه التنبؤات يفترض أن تكون مبنية على معلومات استخبارية، أو أن الحكومة على علم بها.

وفي كل الحالات، إنْ كانت الحكومة لا تعلم فهي غافلة، وغير معنية بما يحصل، وان كانت تعلم، فالمصيبة اكبر، لأنها أثبتت فشلها في التصدي لعمليات العنف، الذي أصبح في اغلب الأحيان عشوائيا، وان كان ذا محتوى طائفي سياسي.

وكانت الحادثة التي قصمت كل الآمال السلمية للعراقيين هي مهاجمة ساحة الاعتصام في قضاء الحويجة، التابع لمحافظة صلاح الدين، في أبريل الماضي، من قبل القوات الأمنية وقتل أكثر من 50 من المعتصمين وجرح العشرات ما أدى إلى رفع السلاح من قبل شباب العشائر، ونشوب قتال في ناحية سليمان بك المجاورة والتابعة لقضاء طوزخورماتو وسقوط المدينة بعد معارك استمرت 24 ساعة.