كان التوتر التركي تجاه التطورات الدراماتيكية التي حدثت في مصر نهاية الأسبوع الماضي لافتاً.. من باب القلق من انطباق مقولة: «أكلت يوم أكل الثور الأبيض»، بأن يفتح ما جرى في مصر شهية العسكر الأتراك الذي التزموا خلال العقد الأخير بيت الطاعة.
القيادة التركية استخدمت الكثير من العبارات التي تكشف عمق القلق الذي يعتمل داخل الأطر القيادية في الحكومة التركية وبين كوادر حزب العدالة والتنمية. فرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية، الذي يعد منظّر السياسة الخارجية التركية داود أوغلو عبّرا بشكل شبه يومي عن القلق، من الانقلاب، من الإطاحة بمحمد مرسي، من الإطاحة باختيار الشعب، ومن عدم اتخاذ المجتمع الدولي الموقف نفسه.. ووصل الأمر بالدعوة إلى تدويل ما جرى عبر المطالبة بتدخل مجلس الأمن الدولي.
وتعكس التعليقات التركية شبه اليومية على الحدث المصري عمق الضرر الذي أصاب القيادة التركية.. ومدى القلق من وصول العدوى إلى تركيا بعد سنوات من «الربيع» مع العسكر.
ولكن، إذا ما اقترن المشهد بالتوتر الاجتماعي السياسي الحاصل في تركيا على أكثر من جبهة، وإنْ كان أبرزها وأحدثها الاحتجاجات التي تموج بها إسطنبول في ميدانها السياحي التجاري الأشهر، تقسيم، يبدو ارتفاع ترمومتر القلق الذي دب في كل مفاصل قيادات وكوادر حزب العدالة والتنمية منطقياً.
وبدا أنّ الدبلوماسية التركية فقدت بوصلتها المرتكزة على تغليب الحوار السياسي والمبادرات الدبلوماسية في معالجة الأزمات، وتشجيع سياسات الانخراط الإيجابي.. وكسرت ما درجت عليه في انتهاج نهج توفيقي.
وأثار هذا الموقف التركي حفيظة الخارجية المصرية التي استدعت السفير التركي احتجاجاً على هذا التدخل والأسلوب التصعيدي في شؤون مصر الداخلية.
ويرى مراقبون في «النرفزة» التركية مؤشراً على الارتباك وعدم توقع ما جرى لحليف، وتشبّث البعض في التحليل على أنّ هذا الغضب انعكاس للمرجعية الإسلامية لحزب العدالة والتنمية وارتباطه بالإخوان المسلمين في كل من مصر وسوريا.
وبجانب الدور التركي كنموذج، وفّرت الثورات مجالاً لنشاط تركيا في طرح دورها كطرف ثالث ووسيط في معالجة الخلافات العربية الداخلية، ومحاولة الحد من امتداداتها الإقليمية والتدخلات الدولية فيها.. لكن الانتكاسات في مصر والتخوف الدولي القوي من هيمنة الإسلاميين على الثورة السورية وضع الدعم التركي لهذه النماذج في حرج. وزادت أحداث تقسيم والمواقف الأوروبية الضاغطة على أنقرة في هذا الباب من استشعار القيادة التركية بأنّ «أفكارها» ومؤيديها هدف للتقويض.
