شاركت الإدارة الأميركية في هندسة الصيغة الانتقالية الجديدة في مصر. نزلت بثقلها لتسريع التعيينات والمواعيد من أجل العودة إلى العملية الديمقراطية. تراهن على هذا الخيار كمخرج للأزمة كما لمأزقها هي. والآن تنصرف بكل ما تملك من وسائل ترغيب وتشجيع وتحفيز، لتسويق هذه الصيغة لدى الفريق المخلوع وإعادته إلى مسرح المشاركة. وإذ تعترف واشنطن بأن مثل هذه المهمة لن تكون سهلة في ضوء ما جرى، إلاّ أنها تتحرّك في هذا الاتجاه على أساس أنّه لا بديل آخر غير الوقوع في دوامة قاتلة لا هي تحتملها ولا مصر.
التغيير المصري الذي حصل قبل أسبوع أوقع إدارة أوباما في إحراج شديد. تعاملت معه بصورة ملتوية. كأنه نوع من «الانقلاب التصحيحي». ابتعدت عن تصنيفه صراحة في خانة الانقلاب المتعارف عليه، لما يترتب على ذلك من وقف قانوني فوري للمساعدات الأميركية إلى مصر. وهذا «ليس في صالح أميركا الآن» الاسم الحركي لكامب دافيد كما تقول. وفي الوقت ذاته نأت عن تأييده كحركة تصحيح، لأن ذلك يصطدم بتشديدها على ضرورة احترام العملية الديمقراطية. بقيت بين الاثنين. «نحن كنا وما زلنا متمسكين بهذه العملية لكن الواقع على الأرض في مصر كان حالة فريدة»، على ما قالت الخارجية الأميركية. يعني ما حصل كان له ما يبرره لكن من دون احتضانه صراحة. تعليل تعرّضت معه الإدارة لانتقادات كثيرة، ليس أقلها أنّها كانت مرتبكة و«مترددة» و«ومعزولة». ثمة من رأى أنها حاولت «تعويم» مرسي. وآخرون رأوا أنّها كانت غير حازمة مع العسكر.
في ضوء هذه المعطيات ومن أجل تقليل الخسائر واستدراك ما كان يختزنه الوضع من مخاطر مفتوحة على الأسواء، سارعت واشنطن إلى التحرك على خطين: العمل مع القيادة العسكرية ومع شخصيات مدنية مصرية مثل د. البرادعي وغيره، لوضع المداميك الأولية للعملية الانتقالية. وفي الوقت ذاته متابعة التواصل مع قيادات «الإخوان». سقوط خمسين قتيلاً في المواجهة أمس الأول، سرّع من وتيرة التحرك الأميركي. خطوط الاتصالات بقيت شبه مفتوحة بين واشنطن والقاهرة. شارك فيها الوزيران كيري وهايغل والبنتاغون. التعيينات لرئيس الحكومة ونائب الرئيس، استقبلتها واشنطن بارتياح كبير. فتحت كوّة في جدار الأزمة. عزّزها أنها تواكبت مع جدول زمني قريب للانتخابات ولإعادة النظر بالدستور. وتردّد أن واشنطن شدّدت على ضرورة أن يكون السقف الزمني بالأشهر وليس بالسنوات. وهذا ما فسّر جانباً من ترحيب واشنطن بهذه الخطوات.
الآن يجري التركيز الأميركي على الترويج لهذه البداية كمدخل للعودة إلى اللعبة السياسية. «نحن نشجع كافة الأطراف على المشاركة» في العملية الانتقالية، كما قالت الناطقة الرسمية في وزارة الخارجية. ثم عادت وذكرت الإخوان بالاسم، كطرف «سنعمل على حضّه للمشاركة». وأكدت الخارجية بأن السفيرة الأميركية في القاهرة، آن باترسون على تواصل مع «كافة الأطراف» والإخوان منهم.
وفيما يستبعد مراقبون عودة الإخوان بهذه السرعة إلى العملية السياسية، إلاّ أنّ الإدارة تراهن على ما يبدو وخلافاً لبعض التحذيرات، بأنه ليس بوسعهم ولا من مصلحتهم الانزلاق إلى خيار الاشتباك الأهلي. ناهيك بالمواجهة مع الجيش. ثم أن المسارعة بتشكيل حكومة مدنية مع انتخابات غير بعيدة، من شأنه إبعاد شبح حكم العسكر وإعادة الحياة السياسية إلى دورتها الطبيعية ولو بالتدريج. وضع سيجد «الإخوان» أنه أكثر ضمانة وأقل خسارة على المدى الطويل.
هل تصح هذه الحسابات أم أنّ لدى «الإخوان» حسابات أخرى؟ الذين ينظرون إلى الوضع المصري من خلال المشهد العام في المنطقة، ينصحون بالتمهل في المراهنات وإطلاق التوقعات.