لم يكن أكثر المتشائمين بمستقبل تيار الإسلام ـ السياسي بمصر يتوقعون انفصالاً على هذا النحو ما بين الفصيل الأكبر داخل ذلك التيار، وهو جماعة الإخوان، وبين أكبر الأحزاب السلفية، وهو حزب النور (الجناح السياسي لجماعة الدعوة السلفية)، إذ سار «النور» في ركب الجماعة الأم؛ إيماناً منه بالتاريخ الإخواني في المعترك السياسي الذي استمر منذ 85 عاما، وبالتالي ظل في تحالف سياسي طيلة الفترة الأخيرة مع «الإخوان»، إلى حد أن دب خلافٌ بينهم على «السلطة» وتوزيع المناصب في الحكومة أو الفريق الاستشاري للرئيس المعزول شعبيًا د. محمد مرسي.
ورغم انفصال «النور» عن ركب «الإخوان» بدوافع الخلاف بشأن المناصب (وهي أسباب خفية) أو من خلال الدوافع الظاهرية مثل الخلاف بشأن فكرة التعاون مع إيران، إلا أن مُحددات ذلك الانفصال كانت واضحةً منذ البداية، إذ إنه كان انفصالاً في الشؤون السياسية مباشرة دون أن يكون انفصالاً من التيار الإسلامي عامة أو المساهمة في حدوث انشقاقات كبرى فيه أو الخروج منه وإهدار «المشروع الإسلامي» الذي يتفق عليه جميع الفصائل الإسلامي أو المساهمة في إهداره.
حلقات الانفصال
ومع اقتراب ثورة 30 يونيو الشعبية من أجل إسقاط الرئيس مرسي بدا حزب النور في أكثر حلقات الانفصال مؤثرا على التيار الإسلامي عامة، إذ أعلن تضامنه وتأييده لفكرة «خارطة الطريق» التي أعلنها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بل ودخل الحزب في مباحثات مع الجيش من أجل طرح تلك الخارطة وبالتالي أسهم الحزب في سقوط مرسي نفسه. وبرر مراقبون تلك الخُطوة التي أقبل عليها حزب النور، وذلك الانفصال التام الذي وضع «النور» في تحالف ضمني مع جبهة الإنقاذ (المناهض السياسي المنظم ضد جماعة الإخوان)، بأن الحزب يسعى لـ«تعلم السياسة» بعيدا عن ركب جماعة الإخوان، وخروجا عن عباءتها وقيدها، عقب أن أبدت «الجماعة» من جانبها طيلة العام الذي حكم فيه مرسي مصر بوادر إقصاء للحزب من المناصب القيادية ومن المشهد السياسي كله.
الساحة السياسية
ولم تكن خُطوة «النور» من أجل التكاتف مع جبهة الإنقاذ وجموع الأوساط الشعبية المناهضة لحكم مرسي هي الأولى من نوعها في سبيل مساعي الحزب لخلق علاقات موسعة ولعب دور قوي بالساحة السياسية المصرية وكذلك بالمنطقة كلها إذ راحت عناصر سلفية لتُقدم نفسها كبديل للولايات المتحدة الأميركية من خلال زيارات عِدة لواشنطن. وعقب ذلك المسلك الذي سلكه «النور» راح تنظيم الإخوان ومناصروه بوجهٍ عام يضعونه في مرمى سهامهم وانتقاداتهم، واصفين الحزب على كونه قد «باع» المشروع الإسلامي ووضع يده في يد جبهة الإنقاذ. وفي سبيل ذلك المشهد المُضطرب الذي تعانيه مصر الآن يُحاول «النور» لعب دور «الوسيط» بين القوى المتصارعة، إذ يخطو الحزب خطوات ثابتة من أجل إجراء مصالحة وطنية عامة وشاملة بين كافة الفصائل بما فيها القوات المسلحة المصرية لدرء الفتنة الحالية وحقن دماء المصريين، إلا أن مساعي «النور» بدت مرفوضة تماما من قبل «الإخوان».
عباءات الوسيط
أكد مراقبون على أن حزب النور السلفي الذي خرج من عباءة جماعة «الإخوان المسلمين»، وكذلك حارب المشروع الإسلامي (بصورة غير مباشرة)، قد خرج الآن من عباءة جبهة الإنقاذ كذلك، مُحاولاً إيجاد كينونة خاصة به على المشهد السياسي ومحاولًا أن تكون له «كلمة مسموعة» على الساحة وذلك بعد أن أعلن عن رفضه لتولي المعارض البارز د. محمد البرادعي رئاسة الحكومة، وأسقط عن نفسه انحيازه لأي من التيارات والفصائل ومن ثم بدأ مزاولة دوره في لعب دور الوسيط لكنه وسيطٌ لا يستمع إليه أحد الآن.