قالتها مداورةً، أو هكذا بدا من ردّها على الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي. فالإدارة الأميركية اختارت صيغة لموقفها من الحدث، تفيد بأنها رأت فيه «حركة تصحيحية» للعملية الانتقالية في مصر. وإذ تعذّر عليها منحها التأييد الصريح، إلاّ أنها تحاشت إدانتها. اكتفت إزاءها، في البيان الصادر مباشرة عن الرئيس الأميركي باراك اوباما، بالتعبير عن «القلق العميق»، الذي يستدعي العودة السريعة إلى «العملية الديمقراطية والحكومة المدنية»، وليس إلى رئاسة مرسي. ديباجة لا تقل عن موافقة مبطّنة على الحركة. أو عدم الاعتراض عليها.

وإشارة الرئيس أوباما إلى المساعدات الأميركية لمصر وإيعازه بمراجعتها على ضوء ما حصل، لا يعني في أي حال إعادة النظر فيها واحتمال وقفها. صحيح أن القانون الأميركي يقضي بقطعها في حالات التغيير في البلدان المستفيدة منها، لكن فقط إذا حصل التغيير بصورة انقلاب على الشرعية. في الحالة المصرية الراهنة جاء الإخراج بصورة تعفي الإطاحة من هذا الطابع. تكليف رئيس المحكمة العليا بمهام الرئاسة، واستبعاد صيغة المجلس العسكري، وضع العملية في خانة غير انقلابية. على الأقل من الناحية التقنية. وهذا ما سهّل على واشنطن الانتقال من التمسك بـ «العملية الديمقراطية»، إلى القبول عملياً بحيثيات التغيير والانطلاق منها إلى تركيبة حكم جديدة في مصر.

شعار التسوية

رفعت إدارة أوباما، خلال ساعات الإنذار الـ48، شعار التسوية. قالت إنها «على الحياد» بين الفريقين. من جهة، طالبت النظام بتنازلات تلبّي «إرادة الشعب». كرّرت تذكيره بأن «الديمقراطية ليست فقط انتخابات». ومن جهة ثانية، أنهت العسكر، قبيل نهاية الإنذار، عن القيام بانقلاب. وشدّدت على أهمية العثور على مخرج سياسي. التحذير كان برسم الجهتين، لكنه جاء متأخراً. وثمة من وضع بعض اللوم على إدارة اوباما، من باب أن نظام مرسي واصل ممارسة الحكم بنهج الاستئثار المحكوم بالوصول إلى أزمة، من دون أن تتحرك وتحذّر. فواشنطن بيدها ورقة المساعدات، كما ورقة الدعم السياسي للنظام. وأيضاً تملك واشنطن علاقة قوية مع المؤسسة العسكرية. مع ذلك، تجاهلت وامتنعت عن الاستدراك؛ حسب اللائمين.

تباين في الرؤى

الواقع، أنه كان هناك تباين في الرؤية الأميركية، في هذا الخصوص. البيت الأبيض، الذي يحصر صياغة السياسة الخارجية به أكثر من أي إدارة سابقة؛ بقي في خندق الدفاع عن «الشرعية المنتخبة» ووجوب منحها الوقت الدستوري المقرر لها؛ وأن التصحيح لا بدّ أن يجري ضمن هذا الإطار. السفيرة الأميركية في القاهرة، آن باترسون، كانت واضحة في التعبير عن هذا التوجه في خطابها الأخير، عندما قالت إن «التحرك في الشارع لن يؤدي إلى نتائج أفضل من الانتخابات».

هذا كلام يعكس سياسة الرئيس أوباما، بل تشبّثه بها، تجاه الوضع المصري؛ بدون لبس. في المقابل كانت هناك أصوات في الكونغرس كما في أوساط صنّاع الرأي، يحركها اساساً الحرص على اتفاقية كامب ديفيد، كانت تلفت وتبدي تذمّرها من منحى الأوضاع في مصر وضرورة تطويقها قبل انفلاتها.

الواضح أن حسابات حقل أوباما لم تتطابق مع حسابات البيدر المصري. قسم من الشارع المصري مع الجيش، أخذ المبادرة. تراجعت الإدارة بالاضطرار وقبلت بتسويغ الإطاحة، وإن لم تكن غريبة عن إخراجها. وبصرف النظر عن الحيثيات المعلن منها والمضمر، بدت سياستها على قدر واضح من التناقض والهرولة نحو اللحاق بالأحداث؛ جرياً على عادتها في التعاطي مع أزمات المنطقة، حيث اتسمت مواقفها باستمرار بالتأرجح والابتعاد عن الحسم وأخذ المبادرات.