نجحت بريطانيا مدعومة من فرنسا في إقناع أعضاء الاتحاد الأوروبي برفع حظر السلاح الذي يفرضه الاتحاد على سوريا، وهو أمر يتيح لهما المرونة اللازمة لإرسال اسلحة الى مقاتلي المعارضة السورية، بدواع «أخلاقية» وتجنباً لتكرار التجربة اليوغسلافية. على الرغم من طموح رئيس الوزراء ديفيد كاميرون ووزير خارجيته وليام هيغ، الا ان المعارضة الداخلية التي يواجهها أطفأت وهج حماسه. طموح كاميرون اصطدم بمعارضة من شعبه وحزبه وشريكه في الائتلاف الحكومي والمعارضة، بالإضافة الى معارضة جيشه وأجهزته الأمنية التي تعاني تقليصات في نفقاتها.

معارضة شعبية

على المستوى الشعبي، فإن الغالبية العظمى من البريطانيين تعارض تزويد المعارضة السورية بالسلاح. الرأي العام يرى ان الأزمة السورية كشفت التناقضات التي تعيشها حكومة كاميرون. ففي الوقت الذي يدعو فيه وزاراته ولاسيما وزارتي الضمان الاجتماعي والدفاع الى قبول سياسات التقشف، يدعو بالمقابل الى تسليح المعارضة السورية والدفع بالخيار العكسري لإنهاء الأزمة.

حزبياً، عدد كبير من الأغلبية التي يقودها رئيس الوزراء، يعارض التدخل العسكري. وحسب صحيفة «ذي صنداي تايمز» فإن ثلثي أعضاء حزب المحافظين هم الآن ضد الخيار العسكري في سوريا. وطلب اكثر من 80 نائباً من اعضاء الحزب الحاكم من كاميرون اجراء تصويت في البرلمان على مقترحه لتسليح المعارضة السورية.

وعبر عمدة لندن بوريس جونسون، الذي يعتبر من اكثر سياسيي حزب المحافظين شعبية في بريطانيا، والمرشح لخلافة كاميرون، عن معارضته تسليح المعارضة السورية، معتبراً أنها ستكون خطوة «مجنونة»، بحسب تعبيره. ووجه زعيم حزب العمال المعارض ايد ميليباند انتقادا الى طريقة تعاطي ديفيد كاميرون مع الملف السوري، متهما اياه بالتركيز على قضية تسليح الثوار وإغفال العملية السلمية.

الرؤية العسكرية

من الناحية العسكرية، فإن الغالبية العظمى من قادة الجيش البريطاني والأجهزة الأمنية تعارض التدخل. ويحذر قادة الجيش ان التدخل يعني مواجهة مباشرة مع الروس وحرب باردة جديدة معها. وحسب الخبراء العسكريين، فإن المواجهة قد تمتد الى ايران حليفة الأسد، التي بدورها نشرت آلاف المقاتلين لينضموا الى مقاتلي حزب الله اللبناني.

ويتساءل قادة الجيش هل تملك بريطانيا الإمكانيات المالية والعسكرية لفتح جبهة حرب جديدة في سوريا، في ظل التقليصات في وزراة دفاعها؟ وهل استطاعت بريطانيا تخطي تجربتها المريرة في حربي العراق وافغانستان، خاصة بعد ان كشفت الدراسات أن التكلفة البشرية لحرب افغانستان لوحدها وصلت إلى 444 جندياً، في حين ستبلغ تكلفتها المادية مع نهاية 2020 الى نحو 60.6 مليار دولار، وهو مبلغ يكفي لتوظيف أكثر من خمسة آلاف شرطي أو ممرضة، ودفع رواتبهم طوال حياتهم المهنية، وتمويل التعليم المجاني لجميع طلاب مرحلة التعليم العالي لمدة عشر سنوات. التقليصات الجديدة في ميزانية الدفاع قد تصل الى 20 %، وتأتي متممة للاقتطاعات السابقة التي سُتلغى بموجبها 42 ألف وظيفة في وزارة الدفاع والقوات المسلحة، وتقليص عديد الجيش البريطاني من 102 الف الى 82 الف جندي. الدعوة لتسليح المعارضة السورية وتزامنها مع التخفيضات في ميزانية الدفاع دفعت عددا من مسؤولي الجيش وعددا من وزرائه الى انتقاد سياسات حكومته، قائلين ان قرارات الحكومة في هذا الصدد تشير الى ان مسؤوليها «لا يعرفون ماذا يريدون من الجيش».

تردد أميركي

يظهر التردد الأميركي في المسألة السورية والتدخل العسكري من خلال إعراب الرئيس الأميركي باراك أوباما عن ارتيابه من أي عمل عسكري أميركي كبير في سوريا، مثل إقامة منطقة حظر جوي، مشككاً بإمكانية أن يعدل هذا الأمر من مجرى النزاع القائم بالبلاد، ولا سيما في ظل الدفاعات العسكرية الروسية المتقدمة التي تملكها سوريا وانتشار اسلحتها الكيماوية على بقعة جغرافية ممتدة.