كان من اللافت أن تردّ إدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، بصورة باهتة على حدث بحجم إنذار عسكري في بلد بأهمية مصر التي تعتبرها «حجر الزاوية» في استراتيجيتها الأمنية في المنطقة.
تعاملت الإدارة مع الإنذار وكأنه تطور هامشي. وزارة الخارجية شبه تجاهلته، إذ لم يصدر عنها بيان يحدّد موقفها منه. وهو تدبير عادي في مثل هذه الحالات.. في حين أصدرت، في ذات اللحظة، بيان استنكار لحادثة أمنية وقعت في المنطقة الكردية السورية. كما لم يفتتح الناطق الرسمي لقاءه الصحافي اليومي بكلمة عن هذا الموضوع كما كان متوقعاً، وعند سؤاله عنه، حرص على الإجابة بصيغة تفيد بأن الإدارة على الحياد بين الشارع والنظام: «ليس لدينا رد محدّد»، مشدداً على الالتزام بالسياسة المعتمدة الرافضة «للعنف في مصر والداعمة للعملية الديمقراطية التي تحتاج تنازلات متبادلة».
وعما إذا كان كلامه بمثابة تحذير من أي انقلاب عسكري، قال الناطق «نحن ندعم الشعب المصري وليس هذا أو ذاك الجانب».. وهي صيغة تركت الباب مفتوحاً للتكيّف مع أي حالة طارئة. بل هي أوحت بأن واشنطن لم تفاجأ بالخطوة العسكرية المصرية. كانت في أجوائها، بدرجة أو بأخرى. وهذا طبيعي في ضوء العلاقة المتينة مع المؤسسة العسكرية في مصر. لكنها تعمّدت الابتعاد والترقّب. فالوضع دقيق والمخارج شحيحة. والميسور منها غير مضمون ومشحون بعوامل التأزم والتفجير. ثم أن إدارة أوباما ملتزمة، حسب ما دأبت على تكراره منذ البداية، بالعملية الديمقراطية في مصر. وهذه «عملية صعبة» كما قالت. التغيير من ضمنها متعذر الآن، كما أن الخروج عليها محفوف بالمخاطر. وفي مقدمتها خطر الاشتباك الأهلي الذي تكرر التحذير منه أخيراً. لكن الوضع الحالي لم يعد قادراً على الاستمرار.
تفاجأت واشنطن بعمق غليان الشارع ومدى إصراره على الرفض وبما جعل الرئيس مرسي «غير قادر على القيادة» بعد الآن.
وأمام هذا المشهد العنيد في تعقيداته، جاء إنذار الـ 48 ساعة، كتمهيد لمخرج ما. معظم التفسيرات تقاطعت عند اعتباره تمهيدا لنوع من الانقلاب، لكن بإخراج قابل للتسويغ ويغلب عليه طابع «العودة إلى العملية الانتقالية» بمجلس عسكري وحكومة تكنوقراط تتولى الإعداد لانتخابات. أو ربما المباشرة من جديد بعملية تأسيسية تبدأ بصياغة دستور آخر، تجري على أساسه انتخابات نيابية ورئاسية.
وفي هذه الحال، تستقي هذه العودة شرعيتها من حركة الشعب الذي تكرر ذكره عدة مرات في بيان الإنذار العسكري الذي قرر استئناف الثورة في ضوء فشل السنة الأولى من رئاسة مرسي. فحسب هذا التنظير، الجيش بخطوته لم يفعل سوى ترجمة إرادة الشعب التي تتقدم على الدستور باعتبارها هي صانعته. وثمة سيناريو آخر لا يستبعد استقالة الحكومة وتشكيل أخرى تشارك فيها القوى السياسية الفاعلة الممثلة لأوسع تجمع وطني في مصر، مع برنامج عمل يعكس المصلحة الوطنية العريضة.
عملية قيصرية
فيما تتحدث إدارة أوباما بلغة التسوية والتنازلات المتبادلة المطلوبة في هذه اللحظة «المفتوحة على المجهول»، لا ينكر العارفون بأن استيلاد مخرج سياسي من الأزمة الراهنة عملية قيصرية فيها مجازفة كبيرة. أحد أبرز العقبات أن الأمور صارت بيد الشارع، المعارض منه والمؤيد، الذي لا يهادن. فريق يصرّ على ضرورة استكمال الرئيس مرسي لولايته، من منطلقين دستوري وايديولوجي. وفريق يتحدث بمنطق استكمال الثورة. وإدارة أوباما لسانها مع «العملية الديمقراطية» لكن عينها على مصر وأزمتها التي حملتها على تفهّم حركة الجيش وربما أكثر.
