فيما لا يزال المشهد الداخلي اللبناني يعيش أكثر لحظات الاهتزاز، على كل المستويات، فالجيش مستنفَر لملء الفراغ الأمني، وبالتوترات المتنقلة من مكان إلى آخر، وبالاعتداءات التي تطاله، فإن الصورة السياسية تعكس واقع الدولة المشلولة والمنقسمة على ذاتها: الرؤساء الثلاثة محكومون بعلاقة ملتبسة في ما بينهم، في ظلّ حسابات متناقضة بين السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة ومفتوحة على كل عناصر الاشتباك في الآتي من الأيام، ما ألقى بظلاله على مساعي تأليف الحكومة، مع إشاعة أجواء مفادها أن تصريف الأعمال يمكن أن يستمر الى سنة وخمسة أشهر، الى حين تأليف «حكومة انتخابات».

تفاصيل الداخل استحضرت القراءة حول أبعاد خطوة استهداف المؤسّسة التشريعية التي هي «أمّ السلطات»، حسب مصادر نيابية من قوى 8 آذار، بانقلاب الكتل على إقرار هيئة مكتب المجلس جدول أعمال الجلسة التي لم تنعقد يوم الاثنين الماضي بسبب عدم اكتمال النصاب، وتمّ ترحيلها الى 16 من الجاري، لمناقشة وإقرار ذات جدول الأعمال الموزّع، والذي يتضمّن قوانين عادية متعلقة برفع سنّ التقاعد للقادة الأمنيين والعسكريين.

صراع أخطر

ووصل الأمر إلى حدّ رفض رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي توقيع مرسوم الدورة الاستثنائية للمجلس النيابي، في ولايته الممدّدة حتى 20 نوفمبر 2014.

أما الصراع الأخطر الذي أدّى الى تطيير الجلسة التشريعية، بحسب توقعات المصادر، فهو مرشح لأن يطول، في ظل غياب الراعي الذي يمون على اللبنانيين لجمعهم على كلمة سواء، خصوصاً بعدما تحوّل الدستور الى مادة خلافية بدلاً من أن يكون كلمة الفصل بينهم.

والتباين الحاصل في المواقف، على ضفّتَي السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة، يندرج في مسارين: الاختلاف في التفسير الدستوري، بين: هل المجلس النيابي سيد نفسه بشكل مطلق ويمكن له أن ينعقد بشكل استثنائي خارج دورته العادية، وأنه يمكن له أن يدرج أي مواضيع في جدول الجلسة. وبين أن المجلس النيابي لا يمكن له أن يدرج أي مواضيع كيفما كان، في ظل حكومة تصريف أعمال. أما المسار الثاني، فيقول بالاحتكام إلى العرف اللبناني الذي يقول بأن التوافق هو سيّد الأحكام في لبنان. وبالتالي، العمل لتوافق سياسي وقانوني على إصدار مرسوم بفتح دورة استثنائية لمجلس النواب.

دورة استثنائية

وكان رئيس الجمهورية ميشال سليمان ينوي إصدار مرسوم بفتح دورة استثنائية لمجلس النواب، ببنود محصورة عدّة، ومن بينها التمديد لقائد الجيش العماد جان قهوجي. كما أن رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي أبدى استعداده للسير بهذا الأمر، مع تشديده على أن لمجلس النواب دور مهم في مجال التشريع، ولا يتجاهله أحد أو ينتقص منه، ولكن في الحال الراهنة، لا يستطيع المجلس أن يشرّع في كلّ شيء خارج إطار الضرورات. في المقابل، رفض الرئيس نبيه بري ذلك، معتبراً أنّ الدستور يسمح له بالدعوة الى جلسة تشريعية من دون دورة استثنائية في ظلّ استقالة الحكومة.

التأليف الحكومي

وعلى خلفية الكباش التشريعي والانقسام الذي وصل إلى ذروته، في ظلّ محاولات يقودها رئيس الجمهورية لتلمّس إمكان إطلاق مبادرة تفضي إلى كسر حال التشنّج القائمة وإعادة الاعتبار إلى أولوية تأليف الحكومة، وفيما وضعت مصادر الرئيس بري ما يجرى في خانة «استهداف المؤسّسة التشريعيّة، والانقلاب على اتفاق الطائف»، لا يزال الانسداد مستمراً في أفق التأليف الحكومي، في حين بدأ الرئيس المكلّف تمام سلام يعطي إشارات متزايدة الى احتمال ذهابه نحو خيار «حكومة الأمر الواقع»، من دون العودة الى القوى السياسية، وفق ما يتيح له الدستور.

معادلة جديدة

وفي السياق، أشارت مصادر مراقبة الى ازدياد القناعة بأن ثمّة معادلة جديدة بدأت تتحكّم بالبلاد، وهي معادلة المجلس النيابي مقابل الحكومة، بمعنى أن لا جلسات لمجلس النواب من دون تأليف حكومة، ولا تسيير للمؤسّسات بشكل طبيعي أو التشريع بغياب حكومة أصيلة. ولفتت المصادر نفسها الى أن الجلسة التشريعية المقرّر انعقادها في 16 من الجاري مرشّحة للتأجيل مجدّداً، لأن هناك من بدأ يربط بين انطلاق المجلس النيابي بولايته الممدّدة وبين تأليف الحكومة الجديدة، بما يشبه «حرب مقايضة» بين هاتين المسألتين، قطباها فريقا 8 و14 آذار. وذلك، وفق معادلة: إما أن تنطلق كل المؤسسات جنباً الى جنب، وإما أن تبقى مشلولة جنباً إلى جنب.

تعطيل متوازن

مع تعثّر مسعى الرئيس اللبناني ميشال سليمان لإصدار مرسوم عقد دورة استثنائية للمجلس النيابي، بعد تمسّك الرئيسين نبيه بري ونجيب ميقاتي بموقفيهما، فإن المخرج الممكن والسريع من أزمة تفسير الدستور وعقد الجلسة التشريعية، بحسب مصادر سياسية مواكبة، يكمن في تشكيل الحكومة سريعاً. وبحسب مصادر سياسية، فإن «التعطيل المتوازن» للسلطات اتخذ بعده الأشد وطأة على مجمل المشهد السياسي والمؤسّساتي اللبناني، ما ينذر بانزلاق الأزمة الداخلية الى متاهة فراغ كامل، ما لم يشكل هذا الخطر المضاف الى أخطار المزالق الأمنية المتربصة بالبلاد حافزاً متجدّداً للرهان على تسوية ما. بيروت- البيان