كما كان متوقعاً، أصاب الاحتقان المذهبي المتصاعد في لبنان الجلسة التشريعيّة التي كان مقرّراً انعقادها أمس وعلى مدى ثلاثة أيام، فافتقرت الى النصاب الضروري لالتئامها، في غياب النواب المسيحيين بأطيافهم والنواب السنّة. إذ قاطعها نواب قوى 14 آذار، تحت شعار «الدفاع عن صلاحيات الرئاستين الأولى والثالثة، في مواجهة الرئاسة الثانية»، ونواب «تكتل التغيير والإصلاح» (19 نائباً) برئاسة النائب ميشال عون، تحت شعار رفض التمديد لقائد الجيش العماد جان قهوجي، والذي يعني أنه «لن تعود لدى العديد من الضباط حوافز للتقدم أكثر»، وفق رأي عون.

وبسبب عدم اكتمال النصاب، أرجأ رئيس مجلس النواب نبيه بري أولى جلسات مجلس النواب، في ولايته الممدّدة حتى 20 نوفمبر 2014، وضمن خريطة جديدة للتحالفات، الى 16 و17 و18 من الشهر الجاري، لمناقشة وإقرار ذات جدول الأعمال الموزّع، والذي يتضمّن قوانين عادية متعلقة برفع سنّ التقاعد للقادة الأمنيين والعسكريين. ما يعني أن الجلسات المقبلة، بحسب مصادر نيابيّة، تتطلّب توافر النصاب العددي، ولو افتقرت الى النصاب الميثاقي، أي غياب مكوّن أساسي عنها، ولو غاب عنها رئيس حكومة تصريف الأعمال وبعض الوزراء، ذلك أن «المجلس هو سيّد نفسه»، وفق تأكيد الرئيس بري مراراً وتكراراً.

تصريف أعمال

من جهته، يشدّد رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي على أن لمجلس النواب دورا مهما في مجال التشريع ولا يتجاهله أحد أو ينتقص منه، ولكن في الحال الراهنة، لا يستطيع المجلس أن يشرّع في كلّ شيء خارج إطار الضرورات، مرفقاً بإشارته الى أن السلطة التشريعية كاملة، أما السلطة التنفيذية فهي ناقصة، وقوله: «موقفنا من أي قانون أو مشروع يُقرّه المجلس، يمكن أن يعرّضنا للانتقاد».

تباين

والتباين الحاصل في المواقف يندرج في مسارين: الأول، هو الاختلاف في التفسير الدستوري، بين: هل المجلس النيابي سيد نفسه بشكل مطلق ويمكن له أن ينعقد بشكل استثنائي خارج دورته العادية، وأنه يمكن له أن يدرج أي مواضيع في جدول الجلسة. وبين أن المجلس النيابي لا يمكن له أن يدرج أي مواضيع كيفما كان، في ظل حكومة مستقيلة (حكومة تصريف أعمال)، وليست هناك حكومة قائمة.

أما المسار الثاني، فيقول بالاحتكام إلى العرف اللبناني الذي يقول إن التوافق هو سيّد الأحكام في لبنان.

وفي معلومات لـ«البيان»، فإن رئيس الجمهورية كان ينوي، أول من أمس، إصدار مرسوم بفتح دورة استثنائية لمجلس النواب، ببنود محصورة عدّة، لا تتعدّى عشرة مشاريع قوانين، ومن بينها التمديد لقائد الجيش، وأنّ الرئيس نجيب ميقاتي أبدى استعداده للسير بهذا الأمر، لكن الرئيس بري رفض ذلك، معتبراً أنّ الدستور يسمح له بالدعوة الى جلسة تشريعية من دون دورة استثنائية في ظلّ استقالة الحكومة.

وبحسب معلومات أخرى، فإن رغبة رئيس الجمهورية بفتح دورة استثنائية لمجلس النواب تصطدم برفض رئيس حكومة التصريف أن تكون مفتوحة. وعليه، يبقى مصير الجلسة العامة المقبلة معلقاً على صدور مرسوم الدورة الاستثنائية.

التأليف الحكومي

وعلى خلفية السجال الدائر بين الرئاستين التشريعية والتنفيذية، والجدل حول دستورية أو عدم دستورية الجلسة التشريعية، أشارت أوساط سياسية من خارج الحكومة المستقيلة الى أن ثمّة من يريد أن يقول إن البلد يسير بمجلس نواب ولا حاجة للاستعجال بتشكيل الحكومة.

وبالتالي، فإن المسألة، بحسب المصادر نفسها، تتعدّى الجدل السياسي أو المواقف من التمديد للقيادات العسكرية، لتطاول إعادة دورة العمل الطبيعي لكل المؤسّسات الدستورية، ونسف الفكرة التي يروّج لها البعض، ومفادها أن يُحكم البلد من البرلمان، بمعزل عن الرئاسة الأولى والسلطة التنفيذية.

في غضون ذلك، وفيما وضعت مصادر الرئيس بري ما جرى أمس في خانة «استهداف المؤسّسة التشريعيّة، والانقلاب على اتفاق الطائف»، لا يزال الانسداد مستمراً في أفق التأليف الحكومي، في حين بدأ الرئيس المكلّف تمام سلام يعطي إشارات متزايدة الى احتمال ذهابه نحو خيار «حكومة الأمر الواقع»، إذ أشارت المعلومات التي توافرت لـ«البيان» الى أن سلام أبلغ رئيس الجمهورية ميشال سليمان أنه بات ضرورياً نقل النقاش من مرحلة النسب والثلث المعطّل الى مرحلة الأسماء.

ولأن الأطراف المختلفة حدّدت مواقفها، ولا يبدو أنها في وارد التراجع عنها، فإن هامش الوقت، بحسب مصادر معنيّة، بات ضيقاً أمام الرئيس تمام سلام، وأصبح بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن يعتذر عن عدم تشكيل الحكومة، وإما أن يقدم على تشكيل حكومة من الحياديين لا تثير حساسية أحد.

 

إطار ضيق

يلزم الدستور الحكومة المستقيلة فقط بتصريف الأعمال، في الإطار الضيّق لتصريف الأعمال، ولا يلزم مجلس النواب كسلطة تشريع، ولا أيّ مؤسّسة دستورية أخرى، فاستقالة الحكومة لا يجوز أن تكون استقالة بقيّة المؤسّسات من دورها. وعليه، يبقى مصير الجلسة العامة المقبلة رهن مواقف الأطراف وتبدّلها. فرئيس مجلس النواب يؤكد أنها ليست معركة شخصية بل هي خطوة ميثاقية. البيان