«مرسي رئيساً» لم يصدّق المصريون حينها أنّهم وبعد عقود تقطّرت جبروتاً واستبدادية يستظلون حكماً عنوانه الديمقراطية وأنّ مبارك ونظامه أصبحا من الماضي، نعم كثيرةٌ هي المخاوف والتحفّظات على جماعة الإخوان المسلمين لكن الناخبين ألفوا أنفسهم بين خيارين أحلاهما مرٌّ على ما يرون «مرشّح الإخوان» ومرشّح آخر محسوبٌ على نظامٍ جثم على الصدور ثلاثة عقود.
اعتلى مرسي منبر ميدان التحرير في أعقاب انتخابه متعهّداً أمام الآلاف أنّه سيكون «رئيس الكل»، أمرٌ تكذّبه 365 يوماً قضاها على سدة الحكم بما أحدث من انقسام حاد بين مكوّنات الشعب وأصبحت الفوضى السمة المميزة للمشهد فيما أضحت سلامة الأمة وأمنها القومي على المحك.
كشف مستور
خلال أول ثلاثة شهور من فترة الرئاسية تميّز مرسي بإطلالته وبساطة تصرفات ونبرة خطابية مفهومة، لكن الشعب لم يطق صبراً بعدما «تكشّف أمامه المستور» من مساع حثيثة ليس من أجل المواطن ورفاهه ولا الوطن ورفعته بل الإخوان ومشروع التمكين، فامتلأت جدران القاهرة رسوماً كاريكاتورية تصوّر ليس رئيساً كما كان بل تصور خروفاً حيناً وفرعونا أو مصاص دماء أحايين أخرى.
يدافع الأنصار عن مرسي بدفوعات على رأسها الشرعية المستمدّة من صناديق الاقتراع في أعقاب الفوز بأول انتخابات رئاسية حرّة ونزيهة في تاريخ البلاد، نافين عنه مسؤولية مشاكل عدّة يعانيها الشارع من فساد إداري وتعثّر اقتصادي وتوتّرات مذهبية، مشدّدين على أنّها من موروثات سنوات طوال من حكم النظم البائدة.
فرض رؤى
في الشط الآخر تتجاوز حدود التضاد قليلاً إذ يتهم مرسي من قبل تيّار واسع من الشعب وقوى سياسية اسمها «جبهة الإنقاذ»، إذ يتهمونه بالسعي إلى فرض الشريعة الإسلامية على رؤى جماعته وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء بإعادة إنتاج نظام مبارك وما سبقه من النظم المستبدّة عوضاً عن السعي إلى قيادة البلاد في اتجاه الديمقراطية والتقدّم الاقتصادي المنشودين.
ويصوّر البعض مرسي «فرعوناً جديداً»، فيما يتهمه آخرون بأنّه واجهة فقط تنفّذ أوامر المكتب السياسي لجماعة الإخوان المسلمين والمرشد الأعلى محمد بديع.
وفي أولى إطلالاته العلنية لم يكن مرسي يملك، برأي خبراء كثيرين، مواصفات تنصّبه رئيساً، إلّا أنّه ومع مرور الأيام في الحملة الرئاسية اكتسب مزيداً من الثقة بالنفس واستفاد من شبكة الناشطين الكبيرة لجماعة الإخوان المسلمين في مواجهة منافسه أحمد شفيق رئيس الوزراء السابق في عهد مبارك.
طمأنة خارج
وتمكّن مرسي في أغسطس من العام الماضي إخضاع المؤسسة العسكرية والتي حاولت ممارسة الوصاية على حكومته من خلال إحالة وزير الدفاع ورئيس المجلس الأعلى للقوات المسلّحة إلى التقاعد، وبعد أن دارت الأيام دورتها عاد العسكريون أنفسهم ليضعوا الحقيقة أمام مرسي والجماعة والشعب الطامع في تدخلهم ولعبهم دوراً أنّهم الضامن الأساسي لاستقرار البلاد ملوّحين بشبح التدخّل لمنع انزلاق البلاد إلى الفوضى.
مرسي يحاول أيضاً استخدام كل أسلحته بما فيها الخارجي في صراع الداخل مع الخصوم، بما يطمئن به الولايات المتحدة الأميركية بأن لا مجال لنقض غزل اتفاقية السلام بين بلاده وإسرائيل مع مساعٍ لدمج مصر بشكل أكبر في مصاف الدول الناشئة مثل الصين والبرازيل يغازل بها الداخل لتحويل الواقع الاقتصادي الهش الذي تعيشه مصر.
