عند التجوّل في شوارع حمص المحاصرة والمنكوبة أو تصفّح الصور والمقاطع التي قام ناشطو الثورة بالتقاطها أن إعصاراً مدمّراً أو زلزالاً قد ضَرَب المدينة للتوّ.
إلا أن روايات الأهالي والناشطين الإعلاميين توضّح تماماً ما حدث. فـمدينة حمص، أو عاصمة الثورة كما يحلو للسوريين تسميتها، تَعيش حصاراً عسكريّاً خانقاً منذ سنة ونيّف، فمحاولاتُ اقتحام شبه يومية على امتداد 8 جبهات، وتعزيزات عسكريّة ضخمة للجيش النظامي بين الحين والآخر تُسحق على مشارف المنطقة المحاصرة من قبل عناصر الجيش الحرّ المرابطين على تلك الجبهات.
معنويات ومعنويات!
ويظنّ البعض أن معنويّات عناصر النظام مُرتفعة في المدينةً سيما بعد نشوة انتصار القصير، إلا أن المُعطيات على أرض المعركة تُنافي هذه الفكرة تماماً كما يقول أبو علاء، وهو مقاتل على جبهة حي «باب هود»، وهو يتقاسم لقمة طعامه الضئيل مع زملائه على الجبهة: «على عكس ما يروّج له إعلام النظام عن تقدّم للجيش النظامي في المدينة و«تطهيره» لـكافّة أحيائها من «الإرهابيين» فهو يتبع أسلوب الحرب النفسيّة والإعلامية ضدّ الثوّار، بإيهام الجميع أن معنويات عناصره عالية وأنّه على وشك السيطرة على المدينة، ونَسي أنّه قد أعلن السيطرة على حيّ «باب هود» أكثر من 20 مرّة في وسائل إعلامه».
ويقول الثوار على الجبهات الساخنة أن عناصر الجيش النظامي قد تضعضعت أركانهم وأُنهكوا تماماً على مدى أكثر من 18 شهراً من حرب الشوارع التي لا تكون نتيجتها غالباً لصالح الجيوش النظاميّة، وأوضح دليلٍ أنّ جيشاً عرمرماً بتلك القوّة كما يدّعي لم يستطع التغلّب على ثُلّة من الإرهابيين على حد زعمه.
ويشير أبو علاء إلى أنه «من خلال التنصّت على أجهزة جيش النظام اللاسلكيّة وسماع محادثاتهم حوراهم، تستطيع التأكّد من الخوف والذعر الذي يعتريهم وخاصّة أثناء الاقتحامات والاشتباكات».
ويعلل أبو علاء بأنّ اتخاذ الثوارِ الإيمانَ سلاحاً قبل البندقية هو السبب الرئيسي لصمودهم طيلة هذه الفترة.
ويقول أبو علاء: «جيش الأسد يقاتل للدفاع عن فَرد، بينما نحن نقاتل دفاعاً عن عقيدة و مبدأ!».
أزقة ضيقة
وقد لا تكون العقيدة وحدها عنواناً لصمود الثوار، إذ «إنّ الأحياء القديمة والّتي يحاول الجيش النظامي اقتحامها تتميّز بـ ضيق أزقّتها ممّا يجعل اقتحامها بالآليّات أمراً مستبعداً»، حسب أبو علاء الذي يضيف قائلاً: «هذا الأمر يجعل الثوّار في مواجهة مباشرة مع عناصر الجيش النظامي المُنهَكين أصلاً، حيث إن أغلب الثوّار من سكّان الأحياء القديمة؛ أي أنّهم يعرفون كلّ منفذ وكلّ شارع فيها، أما عناصر الجيش النظامي فـيجهلون المنطقة بأسرها وذلك لكونهم من خارج هذه الأحياء أو من خارج المحافظة».
ويشكل نقص السلاح والإمداد أحد أهم مشكلات الثوار كما يقول قائد إحدى المجموعات أبو عبدو: «لدينا نقصٌ في الذخيرة بشكل عام، كُلّ طُرق الإمداد مُغلقة، والمنطقة مُحاصرة بالحواجز العسكريّة من كافّة الجهات؛ نعتمد على الذخيرة المخزّنة لدينا قبل الحصار، بالإضافة إلى ما غنمناه من قوّات النظام على مدى عامٍ كاملٍ من الاشتباكات».
ويضيف إنه «في بداية الحصار قُمنا بحفر بعض الأنفاق، والاعتماد على مجارير الصرف الصحّي القديمة لتأمين الذخيرة، إلا أنّ جيش الأسد قام بتتبّع هذه الأنفاق واكتشافها والتمركز بداخلها منعاً لـدخول أي ذخيرة أو سلاح للثوّار المحاصرين».
معاناة
ويتحدث أبو سليم وهو من المدنيين المُحاصرين في الأحياء القديمة؛ وفي صوته بحّة بين الحزن و الكبرياء: «عن أيّ معاناة تريدون منّي أن أتكلّم ؟! عن معاناة الأهالي مع شحّ الطعام وتأمين المياه والكهرباء، أم عن معاناة الرُضّع بدون الحليب». مضيفاً القول: «هاك جرحى تعفّنت جراحهم وهم ينتظرون فتح طريقٍ لإخراجهم وعلاجهم، أو على من ينتظر بَتر أحد أطرافه مع أنّ جرحه قد يُعالج بـ عملية جراحية بسيطة».
صامدون
يتحدث بهاء أبو قاسم، وهو أحد الثوار، موجهاً كلامه إلى كلّ من يتساءل عن حالة الثوّار النفسيّة ومعنويّاتهم، أبشّركم بأنّهم صامدون صابرون على الصعاب، واثقون من طيّب المصير، راضون بـقضاء الله وقدره، وقد أقسمنا على الثبات، فأرض حمص تستحّق التضحية». البيان