احتدام أزمة الحكم في مصر، ترك إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في موقف مربك ومحرج. بدت معه كمن غافلته أحداث وضع أخطأ من الأساس في تقديره وكان رهانه عليه، في غير محله. فجأة وجدت واشنطن نفسها بين الدفّ والمسمار.
لا هي قادرة الآن على اتخاذ موقـف انقلابي ضدّ نظام «الاخوان» الذي قام بالتفاهم معها. وهـذا ليس بسرّ في واشنطن. ولا هي قادرة على منحه المزيد من التغطية أو إشاحة النظر. هو تمادى في الجنوح الداخلي الأحادي الجانب. والشارع عاد وأخذ المبادرة من جديد. صارت الخيارات أمامها صعبة.
والتصحيح أصعب. وفي أحسن أحواله متأخر. والسيناريوات المتداولة في اوساط المراقبين في واشنطن، تتراوح بين «تسوية» قبل فوات الأوان تقوم على تنازلات من جانب النظام وبين الانفجار الأوسع الذي يضع العودة إلى الشارع على طريق العودة إلى العسكر. ويأتي التوقيت ليزيد من منسوب الإرباك الأميركي. فالمنطقة ما كان ينقصها أزمة جديدة ولا واشنطن كانت تحسب أن يضربها صداع مصر من جديد.
البلد الركن
كان الاعتقاد في واشنطن أن هذا البلد الركن في المنطقة، قد اجتاز المرحلة الانتقالية بصورة واعدة. او على الأقل ضامنة لاستمرار العلاقات معه بدرجة مقبولة، بحكم الحاجة المتبادلة. شهد انتخابات مباشرة حرّة لأول مرّة وانتقلت صراعاته من ميدان التحرير إلى ساحة اللعبة الديمقراطية، على فقر تجربتها. عملية كفيلة بتأمين استقرار نسبي يخرج مصر من دائرة الأزمة. لاسيما وان النظام أعطى وعوداً «مطمئنة» لناحية الاصلاحات وبناء صيغة سياسية داخلية متوازنة.
من البداية كانت هناك شكوك بالوعود وحذر من احتمال انتكاس التجـربة. لكن ليس بهذه السرعة ولا بهذه الحدّة وعشية مرور السنة الأولى من عمرها. علـى الأقـل كان هذا اعتقاد الإدارة. وهـذا ما يفسّر أحد جوانب ارتباكها.
مـنذ اشهر وخاصـة فـي الآونة الأخـيرة، عاد الوضع المصري إلى شاشة الرادار الأميركي.
أخبار التضييق على الحريات ومحاولات النظام السيطرة على الإعلام كما على أنماط الحياة الاجتماعية فضلاً عن إصدار وسنّ قوانين تخدم حزب النظام، كانت مادة للعديد من التقارير والأبحاث التي حفلت بالتحذير من خروج الوضع المصري عن سكّة الاستقرار باتجاه سكّة الاستئثار. وتعـزّز هذا التخوف بالخطاب الذي ألقاه الرئيس مرسي والذي وضع في خانة «الخيبة».
لكن إدارة أوباما حصرت تعاطيها مع هذه المعطيات بالقنوات الدبلوماسية. وآخرها كان في لقاء السفيرة الأميركية آن باترسون مع نائب المرشد، خيرت الشاطر، كما تردّد في واشنطن.
فالإدارة من ناحية، تتصرف على اساس أن النظام المصري يستحق منحه الفرصة باعتباره جاء عبر صندوق الاقتراع. ثم هي لا تريد أن يبدو التحوّل الكبير الذي تمثّل في قرارها ربيع 2011 بالتفاهم مع «الاخوان» في مصر، بأنه كان خاطئاً.
ومن ناحية ثالثة، هي تنظر إلى المعارضة على أنها «مجموعات من النخبة ليست على صلة بالواقع ولا بالناس». وهذا كلام ردّده أول من أمس أحد المسؤولين.
كلام، بصرف النظر عن صحته، ينطوي على تمويه على أساس الأزمة. أو أنه يشكل بداية تمهيد لمجيء العسكر، فيما لو تواصل التدهور وانهار النظام تحت وطأة المواجهة مع الشارع.
وهذا احتمال تردّدت سيرته بالتزامن مع تظاهرات «تمرد» واليوم والذي بدأت صداماته أمس وبما يشير إلى أن الوضع بات على «حافة الهاوية»، حسب تعبير افتتاحية «واشنطن بوست».
مأزق أوباما
مـأزق إدارة أوبامـا أن استمرار الحال في مصر امر متعذر والبدائل إما غير ميسورة بالطرق الدستورية، وإما غير مرغـوبة بالطرق الانقلابية ولو أن علاقـة واشنطن مع الجيش المصري «جـيدة» كمـا يقـال. البديل الثالث العودة إلى ما قبل العملية الانتقالية وفوضاها وخطر استمرارها المديد هذه المرة، مع ما ينطـوي عليه ذلك من سقوط الوضع في صراع اهلي مكشوف.
وهذا آخر ما يمكن تحمّله. فـي ضـوء ذلك، تشـير أجواء المسؤولين إلى ان المخرج المطروح الآن محصور بممارسة ضغوط كبيرة على الرئيس المصري، خاصة مالية ـ اقتصادية؛ لحمله على التراجع كما سبق وتراجـع في قرارات قضائية سابقة؛ ولو ان ذلك مشكوك فيه من باب ان الرئيس يقوم بتنفيذ السياسات التي يرسمها مكتب المرشد وبغير نية العودة عنها.