يتحدث وزير الخارجية الأميركي جون كيري عن المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، بلغة الاستعجال. لكنه يمتنع عن التحرك بمقتضاها. قبل مغادرته واشنطن، أحيطت زيارته الخامسة في هذا الخصوص، بأجواء تفيد أنه يعتزم اجتناب الفشل وأنه يحمل معه هذه المرة «أفكاراً جديدة» لتحريك قطار العملية.

 لكن مع وصوله عاد خطابه إلى دائرة اللون الرمادي، الذي يعني ولا يعني، في آن. يلوّح بالعزم والتصميم وفي نفس الوقت يعفي نفسه من أي دور. يريد تركيب طاولة المفاوضات وإقلاع جولاتها في القريب العاجل. في يوليو المقبل. لكنه يبتعد عن تحديد المواعيد. فهذا ممنوع لأنه إسرائيل تعتبره بمثابة ضغط وتدخل غير مقبول. ناهيك بملامسة لبّ الموضوع. حتى المستوطنات، لا يقاربها.

يصرّ على قبول الجانب الفلسطيني غير المشروط بالتفاوض مع إسرائيل. ويقال انه أقنع رام الله بإسقاط شرطها بوقف البناء المسبق. لكن بالمقابل لم يقوَ على إقناع إسرائيل بإسقاط تعجيزاتها، مثل الإصرار على الاحتفاظ بقوة عسكرية على امتداد الحدود مع نهر الأردن.

ذريعة نتانياهو

وكان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو، جرياً على عادته في التخريب على المحاولات والجهود السلمية، قد قام عشية زيارة كيري، بزيارة إلى مدرسة في إحدى المستعمرات؛ كإشارة إلى موضوع الاستيطان والتمسك بسياسة التوسع في مشاريعه. ومثل كل مرة عندما تقارب الجهود نقطة الإحراج حتى لا نقول الضغط، يسارع نتانياهو إلى التلطّي وراء تركيبة حكومته ويمينها المعترض على فكرة الدولتين أصلاً.

وكأنه هو متحمس للصيغة لكن لا حول له ولا قوة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الذريعة طالما ردّدتها دوائر وجهات أميركية تقول ان الوضع الحكومي في إسرائيل لا يسمح باتخاذ قرارات كبيرة من عيار إقامة دولة فلسطينية. وهي لا تنفك عن الدعوة لترك موضوع السلام في الوقت الحاضر، بزعم أن إسرائيل ليست السبب في ما تشهده المنطقة في الوقت الحالي؛ كما أنه ليس من المقبول مطالبتها بتقديم تنازلات في هذه المرحلة الشرق أوسطية المفتوحة على المجهول.

وثمة حيثية ثالثة لدعاة صرف النظر عن مفاوضات السلام وعدم الانشغال بها الآن «والانصراف بدلاً من ذلك إلى التركيز على الشرق الأقصى الأهم، لناحية ثقله الاقتصادي وصعود الصين وتمدّدها»، حسب تعليل ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية للدراسات والأبحاث. هذا عدا عن الأصوات المشابهة في الكونغرس كما في أوساط صنّاع الرأي وحرّاس إسرائيل في واشنطن.

«وجبة أفكار»

وسط هذه المعطيات والأجواء، ذهب الوزير كيري للمرة الخامسة للعمل على كسر الانسداد والعودة إلى مائدة المفاوضات. رفع من لهجة الحثّ والتحذير من عامل الوقت «عدو السلام» وبالتالي ضرورة الإسراع في العودة إلى مائدة المفاوضات. في ذات اللحظة يسارع إلى الاستدراك بأنه ليس من الوارد تحديد موعد. ولو على سبيل الاقتراح. «عدو السلام» هذا هو بالضبط ما عملت إسرائيل على احتضانه ولعب ورقته منذ أوسلو. وبالتالي التلويح به يريحها، طالما أن واشنطن لا تطرح ما يتصدّى له.

ولتغطية هذا الهروب يعود كيري إلى المعزوفة الموروثة، أن واشنطن لا يمكنها أن تريد السلام أكثر من المعنيين به. وحمل معه، حسب ما ذكرت معلومات مستقاة من مصادر الإدارة، وجبة افكار لردم شيء من فجوة الثقة بين الجانبين، الإسرائيلي والفلسطيني؛ مثل الاعتراف المتبادل «بالشراكة في هذه الأرض» كما «بمشروعية مطالب إسرائيل الأمنية ووجوب تطمينها من هذه الناحية». وبالمقابل مطالبة إسرائيل بالتكرّم وإبداء النية الحسنة من خلال وقف النشاط الاستيطاني! للتوصل عبر المفاوضات غير المشروطة إلى الدولتين.

وجبة لا تؤدي في أحسن أحوالها إلى أكثر من الدخول إلى قاعة المفاوضات. وقد يحصل ويجلسوا حسب بعض الترجيحات في واشنطن، حول الطاولة، نزولاً عند إلحاح الإدارة الأميركية. وثمة توقعات بأن يحصل اجتماع ثلاثي، كيري وعباس ونتنياهو، يوم السبت في عمّان لوضع اللمسات الأخيرة على العودة القريبة إلى التفاوض.

لكن كما كشفت السوابق، تبقى مثل هذه العودة في ظلّ نفض يد واشنطن من أي تدخل وفي ظلّ غياب أجندة وسقف زمني؛ ملهاة جديدة. الطاولة لا تأتي بالسلام. التزام واشنطن بإلزام إسرائيل به، يحققه، وبخلافه تكون العملية اشبه بوضع العربة أمام الحصان.