إذا كانت سوريا مصدر القلق فإن إيران كانت في الأيام الأخيرة محطّ الاهتمام، في واشنطن. انتخابات الرئاسة فرضت نفسها بحكم الظروف وثقل الملفات والأحداث في المنطقة. الدوائر الأميركية المعنية تعاملت معها كمحطة فارقة. على الأقل في الأسلوب. وربما في الجوهر. أو في الاثنين معاً. فوز حسن روحاني، عزّز هذا الاعتقاد. لكن من دون أوهام. ناهيك بالمراهنة. السوابق لا تسمح بذلك.
أمل
ثمة «أمل» أميركي، جرى التعبير عنه على أكثر من صعيد ومستوى ما عدا الدوائر المحافظة بأن يكون عهد روحاني فيه من الجديد «الواعد» أكثر مما فيه من «الوهم» المألوف. إدارة الرئيس أوباما، وضعت فوزه في هذا الإطار. مجيئه «فرصة مصحوبة بالتفاؤل»، كما قال البيت الأبيض، ولو مع التحفظ «بانتظار الفعل». نفس العبارة استخدمتها وزارة الخارجية في تعليقها على نتائج الانتخابات. حذر ممزوج بشيء من التمني. لكن من دون مراهنة أو حتى ترجيح.
اليمين الأميركي المحافظ، لا يشارك هذا الاعتقاد. كائن من كان الفائز، فهو بنظره، عنوان للاستمرار. الفارق، كما تقول مصادره، أن روحاني يلبس قفازات حريرية تساعده على تمرير عملية التلميع وتسويقها على أنها تغيير.
وهذا الفريق، سواء في الإعلام أو في الكونغرس أو في مؤسسات الأبحاث والدراسات الأميركية، لا يقر بالفوارق بين هذا المرشح وذاك طالما أن مفتاح القرارات الكبيرة، مثل النووي والوضع السوري، ليس في جيب الرئيس. هو في جيب المرشد الأعلى «الذي لم يتغير»، لا هو ولا توجهاته ومنطلقاته الأساسية.
وعلى هذا الأساس تدعو بعض رموز هذا الخندق إلى التشدد من البداية مع الرئيس روحاني بدل منحه فرصة أولاً. ومن دعواته أن تبادر الجهات المالية الأميركية المعنية إلى تشديد ضغوطها على مؤسسة «سويفت» في بلجيكا، التي تتم كافة التعاملات والتحويلات المالية الدولية عن طريقها، لكي توقف التعامل مع عدد من المصارف الإيرانية. فهي قطعت التعامل مع 14 مصرفاً إيرانياً. لكنها ما زالت تتعامل مع 16 مصرفاً آخر.
وبشمول كل المصارف الإيرانية بالمقاطعة، يحصل «اختناق» في التعامل المالي الدولي لإيران. ورقة يجري الضغط لحمل غدارة أوباما على استخدامها كوسيلة لإجبار إيران على التفاوض الهادف للتوصل إلى تسوية للملف النووي.
لكن الإدارة تلوذ بصمت الانتظار، حتى الآن. كما تبدو معظم الردود الأميركية وكأنها لا تستبعد، وإن مع التحفظ الشديد، أن تكون الأمور مختلفة هذه المرة؛ على قاعدة أن معطيات المرحلة الراهنة هي غير ما كانت عليه قبل أربع أو ثماني سنوات، خلال ولاية أحمدي نجاد. فالعزلة على إيران خانقة والعقوبات باتت مؤذية وجارحة.
وهي مفتوحة على المزيد من الأذى وارتداداته السلبية على الوضع الداخلي. ثم إن المشروع النووي يقترب من منعطف مفصلي يستدعي قرارات حاسمة بشأنه. عامل الوقت استنفد مفعوله وما عاد هناك مجال لتوظيفه كما كان في السابق. ضاقت مساحة المناورة والاستحقاق على الأبواب، حسب التقديرات الأميركية التي تحدث عن فترة سنة أو ما يقارب.
بالإضافة إلى ذلك، استحضرت التقارير سيرة روحاني وما فيها من مواقف تعزّز صورته كـ«براغماتي عملي». عادت إلى حملته الانتخابية وتصريحاته بعد الفوز وكتاب مذكراته، للإشارة إلى ما ورد فيها من مقولات ومقاربات تبرّر «الاستبشار» برئاسته. ولو على سبيل منحه الفرصة لاختباره؛ سواء لناحية الموضوع النووي «من الجيد أن نرى أجهزة الطرد المركزي تعمل لكن من المهم أيضاً أن نرى دورة العمل في البلاد تأخذ مجراها»، أو لناحية فك العزلة ومعالجة «الجروح القديمة والعميقة مع أميركا».
أو لجهة القناعات «لا ينبغي أن تقف الآيديولوجيا في طريق التقدم». كل هذه المقولات وغيرها رأت فيها جهات أميركية عدة، مؤشرات تسمح بتفسيرها على أنها رسائل باتجاه فتح صفحة مرحلة جديدة مبنية على التواصل والتوازن.
رضى
سواء كان هذا ما قصده الرئيس روحاني أم لا، ثمة في واشنطن، إدارة وصنّاع رأي وخبراء استراتيجيون، من يريد أن يكون الرئيس الجديد قد عنى ما قاله. بل ثمة من يميل إلى تغليب هذا الاحتمال، من زاوية أن روحاني أولاً وأخيراً من بطانة النظام الداخلية وأنه لو لم يكن حاصلاً على رضى المرجع الأعلى لما مرّ أصلاً في الانتخابات. ويضيف أصحاب هذه المدرسة، أن ظروف عقد صفقة حول النووي، كان جرى التلميح إليها في واشنطن وربما تكون نضجت بحكم الوقت واقتراب الاستحقاق وبالتالي كان مجيء روحاني لإخراجها. تحليل يقول المتحفظون إنه «متوهّم» أو مبالغ فيه.
«صحيح أن انتخابه مؤشر على رغبة في التغيير لدى الرأي العام الإيراني وصحيح أن روحاني يتقن حبك الصفقات، لكنه بالنهاية ليس رجل إصلاح»، يحذر الباحث الإيراني الأصل في مؤسسة كارنيغي للدراسات والأبحاث في واشنطن كريم سادجابور.
فيما تحتفظ واشنطن بـ«الأمل»، تنتظر المزيد من الإشارات وربما الخطوات من الرئيس روحاني. إذا كان لها أن تظهر.
