بإعلان ثوار حلب بدء معركة تحرير الأحياء الغربية التي تسيطر عليها القوات النظامية، تدخل معركة حلب مرحلة قد تكون مصيرية في ضبط ميزان التوازنات العسكرية التي ترغب القوى الغربية تثبيتها على الأرض قبيل انعقاد مؤتمر «جنيف -2».

وتكمن أهمية الأحياء الغربية من الناحية الإستراتيجية كونها مركز الثقل العسكري والأمني للنظام، حيث تتوزع شتى الفروع الأمنية وعلى رأسها فرع الأمن الجوي، ومبنى البحوث العلمية، ومنها ينطلق القصف المدفعي الذي يطول الريف الشمالي والغربي، ولو سقطت تلك الأحياء بيد الثوار، فهذا يعني نهاية النظام في حلب.

وعليه، قد يفهم للوهلة الأولى أن الدعوة التي أطلقها بعض الثوار في تحرير الأحياء الغربية ضرب من الخيال وتصب في سياق حرب نفسية وإعلامية، لكن من الزاوية الواقعية تتبدد هذه الشكوك، لاسيما مع نسف كتائب أحرار الشام الحاجز المرابط في مدخل حي حلب الجديدة لأول مرة، مترافقاً مع تشديد الثوار حصاراً خانقاً على مطارات (النيرب - وحلب الدولي- ومنغ) إضافة إلى تحرير حي الرشيد من يد القوات النظامية ومليشياته خلال هذا الأسبوع.

 وإجبار حشود العسكرية النظامية التراجع إلى المواقع الخلفية بعدما تقدموا بخطوات واسعة النطاق خلال الأسابيع المنصرمة صوب معظم الأحياء الشرقية والشمالية.

وتنسجم هذه التطورات مع فحوى تصريحات قيادة الجيش الحر بوصول الدفعات الأولية من الأسلحة المتطورة إلى جبهات ساخنة من المرجح أن يتغير معه وجه الصراع ميدانياً، في الوقت الذي شاطره قائد الأركان في الجيش الحر اللواء سليم إدريس بأن الغاية الأساسية من توريد الأسلحة النوعية تكمن في تحقيق التوازن العسكري. وهذا المطلب الحيوي يغدو ملحاً لدى القوى الغربية في سبيل دفع النظام إلى القبول بصيغة حل سياسي ما.

التوازن العسكري

ولعل خاصية التوازن العسكري الذي بات ينعت به الصراع الدائر عنواناً يجمع الأطراف الدولية في نسقه العام، لكنه لا يبدو محل الإجماع في نسقه الخاص، حيث أشار الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في الدوحة إلى ضرورة تحقيق التوازن العسكري، وكأنه أراد أن يبعث برسالة واضحة تقضي بوجوب ترجيح كفة نفوذ الجيش الحر في حلب وريفها على حساب هيمنة القوات النظامية في بعض المناطق الوسطى.

فتلك الأطراف الخارجية التزمت الصمت في معركة القصير وغيرها من المناطق التي تعرضت إلى هجمات مكثفة، بحيث لم تكن ذات أهمية جوهرية بالنسبة لها، في حين انبرت بشكل متسارع إلى ضرورة تقديم الأسلحة النوعية إلى القوات المعارضة في سبيل إيقاف زحف القوات النظامية صوب حلب التي تعتبر بمثابة الخط الأحمر بالنسبة لهم.

وهذا التحرك الدولي المكثف والمفاجئ في آن معاً، فسر من قبل المراقبين على أنه خطوات إسعافية تقتضي بعدم سماح بالإخلال بالخريطة العسكرية المرسومة بين روسيا والدول الغربية، في الوقت الذي يجاهد كل طرف زيادة من رصيده الميداني عبر حلفائه في الداخل السوري.

دعم اضطراري

ويعتقد المراقبون أن دول أصدقاء سوريا مجبرة في هذه الحالة على مؤازرة ثوار حلب بشتى الوسائل، كون حلب وريفها تتسم بخاصيتين: الأولى، تكمن في أهميتها السياسة والعسكرية لدى المعارضة وحلفائها، والخاصية الثانية مرتبطة بالأولى، بحيث تستطيع تلك الدول تمرير شروط معينة على النظام لو تقهقرت قواته تحت ضربات الجيش الحر.

وفيما لو ذهبت التطورات بهذا المنحى، وتقدم الثوار بالتنسيق مع الدول الداعمة تجاه تحرير الأحياء الغربية أو زعزعة نفوس القوات النظامية هناك على الأقل، فهذا يعني حشر النظام وحلفائه في زاوية ضيقة، وتالياً دفعه نحو الرضوخ بما يملي عليه الشروط الدولية بعد شل قدرته في المناورات العسكرية.