تلجأ عادةً السلطات إلى سلاح تقديم «التنازلات» فور اشتداد عصا المحتجين والمتظاهرين ضدها، وتنامي حالة الاحتقان السياسي ضد الحاكم والحكومة، وهو ما فعله الرئيس المصري السابق حسني مبارك، لما راح يُعلن استقالة الحكومة، وتلاها جملة من التنازلات على مدار أيام ثورة يناير، لكنها لم تفلح في مغازلة الشارع وإقصاء المتظاهرين عن ثورتهم.
ومع تدخل القوات المُسلحة المصرية الآن بالمشهد المصري، وقيامها بتوجيه تصريحات تُشبه «التهديدات» للفصائل السياسية بضرورة التوافق وإلا تتدخل لحسم الوضع، تكهن مراقبون بإمكانية أن تُقدم جماعة «الإخوان» تنازلات سياسية بعينها؛ اتقاءً لشر متظاهري 30 يونيو الذين يشتد عودهم تدريجياً خلال الفترة الحالية، وقبيل أيام قلائل تفصل بين المشهد المصري وبين تلك التظاهرات المرتقبة.. وقد أبرز إمكانية حدوث تنازلات أنه من المقرر أن يقوم مرسي بإلقاء خطاب اليوم الأربعاء، شبهه مراقبون بخطابات الرئيس المصري السابق حسني مبارك، وهي الخطابات التي ألقاها في الرمق الأخير تزامنًا مع اشتداد الثورة ضده، وقدّم فيها تنازلات سياسية بالجملة.
النائب العام
وفي هذا الإطار، حدد مراقبون خمسة تنازلات قد تلجأ إليها بالتوالي جماعة «الإخوان» خلال الفترة المقبلة؛ لاحتواء غضب المعارضة، وإيقاف أو التضييق على متظاهري 30 يونيو، ويأتي في مقدمتها خيار إقالة النائب العام، وهو خيار قد طالب به مراراً وتكراراً جموع القوى المعارضة، في ظل جملة من الانتقادات الموجهة إليه بمحاباة السلطة، ليتم وصفه في غير مرة أنه «نائب خصوصي» لا ينفذ سوى أجندات تنظيم الإخوان والسلطة الحاكمة فحسب، وهو ما سهل مأمورية عدم مقاضاة العديد من المتطرفين في قضايا ووقائع بعينها، كما سهل مأمورية الإفراج عن بعض رموز النظام السابق لعدم كفاية الأدلة التي تُقدمها النيابة.
تعديل وزاري
والخيار أو التنازل الثاني الذي قد تلجأ إليه السلطة في مصر بدعم من جماعة «الإخوان» يتعلق بإمكانية إجراء تعديل وزاري أو تغيير وزاري عام وشامل يتفادى حالة الجدل الدائرة حول الحكومة الحالية، بحيث يتم تشكيل حكومة توافقية غير محسوبة على أي فصيل سياسي ولا يُسيطر عليها الفصائل الإسلامية المختلفة، ويكون على رأس تلك الحكومة شخصٌ غير محسوب على «الإخوان» بأي حال من الأحوال، يرتضيه الشارع المصري.
حوار شامل
أما التنازل الثالث الذي قد يستخدمه «الإخوان» من أجل تهدئة المعارضة والتغلب على حالة الرفض السياسي لقوى التيار الإسلامي وهو الرفض الذي يتصاعد بصورة يومية، ويُنذر بالمزيد من المواجهات التي قد تزعزع حكم الجماعة، هو خيار اللجوء إلى إجراء حوار وطني شامل مُحددة أجندته سلفاً دون استئثار فصيل بعينه على مجريات الأمور والمناقشة، يتم خلال ذلك الحوار تحديد جملة من الإصلاحات العامة التي تلتزم بتنفيذها السلطة، على كافة المحاور الرئيسية سواء فيما يتعلق بالأمور الداخلية أو العلاقات المصرية الخارجية كذلك والموقف من القضايا على الصعيد الدولي.
قتل الوقت
لكن مراقبين قللوا من مدى تأثير تلك التنازلات على مسيرة الإصلاح في مصر، مؤكدين في السياق ذاته على أن أية إصلاحات قد تلجأ إليها سلطة «الإخوان» بمصر تأتي في إطار «قتل الوقت» وإضاعته من أجل الاستمرارية في السلطة وامتصاص غضب القوى المعارضة، وبالتالي فلن تفيد تلك الآليات أو التنازلات جماعة «الإخوان» كما لم تفد من قبلهم نظام الرئيس السابق حسني مبارك.. ومن جانبها، قالت الناشطة السياسية البارزة د.كريمة الحفناوي إن القوى السياسية والثورية لن تشعر بـ«الإحباط» ولن تتنازل عن مطالبها المُحددة سلفاً، وبالتالي فلن تفيد أية مسكنات موضعية يقوم بها الإخوان من أجل مواجهة المتظاهرين أو خداعهم، فالمشاركون جميعهم لديهم إصرار وعزيمة على مطالبهم جميعاً.
استفتاء شعبي
أما الخيار الرابع الذي قد تلجأ إليه جماعة «الإخوان» وقد يكون حاسماً تضع نفسها فيه في مواجهة مصيرية جديدة مع المصريين هو خيار إجراء استفتاء شعبي عام حول فكرة الانتخابات الرئاسية المُبكرة، وبالتالي يكون استفتاءً على شرعية مُرسي، ومن ثم يقف «الإخوان» أمام خيار «الصندوق» مرّة جديدة، لكن تلك المرة سوف تكون الأصعب تزامنًا مع رأي عام مُشتعل ومعبأ جيداً ضدهم، وهو ما يضعهم أمام اختبار (أكون أو لا أكون؟).
والخيار الخامس وفق ما يُحدده مراقبون بمصر- أو التنازل الأبرز هو أن يرتضي تنظيم «الإخوان» بمطالب المتظاهرين ويستجيب إليها مكتفياً بضمانات مُتعددة، أولها أن يتم ضمان خروجٍ آمن لعناصر الجماعة، وأن يكتفي بتواجد عناصره بالجهاز الإداري للدولة، ومن ثم فقد يحقق بذلك تواجد لا بأس به في مراكز اتخاذ وتنفيذ القرار.
التسليم أو العنف
ودون تلك الخيارات يؤكد مراقبون على أن السبيل الذي سيظل مطروحاً على مائدة التنظيم الإخواني هو «السبيل غير السلمي»، كأن يتم استخدام العنف ضد المتظاهرين أو التحريض عليهم، لوأد حركتهم الثورية، وفي هذا الإطار يؤكد الناطق باسم التيار الشعبي (تيار يترأسه حمدين صباحي المرشح الرئاسي السابق) أحمد عاطف على أنه لا يوجد سوى الاستجابة لمطالب المتظاهرين خيارا؛ لأن استخدام العنف لا يفيد ولن يثني القوى السياسية والثورية عن فكرة المشاركة ورفض حكم «الإخوان»، قائلاً لـ«البيان»: كافة الأنظمة التي «قامت ضدها ثورات حاولت أن تطرح خيار العنف لكنها جميعاً فشلت في ذلك، بالتالي فالعنف لن يؤدي لنتيجة، ومن ثم فعلى الإخوان أن يلتزموا السلمية في التعامل مع المتظاهرين وأن يرضخوا لمطالب المتظاهرين».
وبدوره أكد مؤسس تنظيم الجهاد نبيل نعيم أن الإخوان لا يمتلكون أكثر من خيارين لمواجهة الاحتشاد الشعبي المتوقع ضدهم، الأول هو محاولة إثارة الرعب والخوف؛ لمنع المؤيدين للتظاهرات من النزول، أما الخيار الثاني فهو لجوء الجماعة؛ للتفاوض مع قوى المعارضة إذا ما نجح المتظاهرون في حشد أعدادٍ غفيرة.
