طلب القائد العام للجيوش في تونس الجنرال رشيد عمّار الإعفاء من منصبه والتقاعد، مفجرا جدلاً واسعاً بشأن خروجه في هذا الوقت الذي تعيش فيه تونس حالة احتقان سياسي واقتصادي واجتماعي غير مسبوقة، وفي وقت لم يستبعد الجنرال إمكانية «صومَلَة تونس».
وقال عمّار إنّ «ما يجري في جبل الشعانبي هو عملية تمرد، واستعداد للإطاحة بنظام الحكم في تونس، بينما لفت مراقبون إلى أن هذا القرار تزامن مع حدثين بارزين أولهما الذكرى 57 لتأسيس الجيش التونسي التي مرت أمس، وثانيهما مرور 100 يوم على حكومة علي العريض، ما يعني أن هذه الخطوة ستثير حولها الكثير من الجدل، لاسيما وأن الجنرال رشيد عمّار لم يتردد في التعبير عن خشيته على مستقبل تونس.
حق التقاعد
وبرّر الجنرال عمّار، في أول حوار إعلامي له على قناة «التونسية» الخاصة، طلبه التنحي عن الموقع العسكري الأول في تونس بأنه تجاوز سن التقاعد منذ أكتوبر 2007، ولا يريد أن يستمرّ في وظيفته الحالية، غير أن المراقبين لاحظوا الكثير من المرارة في حديثه وخاصة عندما تحدث عن تعرّضه لطعنات عدّة، قال إنه سيذكر تفاصيلها عندما ينزع بزته العسكرية.
وينسب كثير من التونسيين لعمار الفضل في تسيير الانتقال الديمقراطي اثناء هروب الرئيس السابق زين العابدين بن علي، قبل عامين، بينما يقول منتقدوه انه رجل يملك كل الأسرار وإنه «الصندوق الاسود» ليوم 14 من يناير 2011 تاريخ الإطاحة بالنظام السابق.
وخلال حديثه عن أحداث جبل الشعانبي من ولاية القصرين والتي عرفتها البلاد منذ أبريل الماضي، أكّد الجنرال عمّار أن ما حدث ليس إرهابا وإنما بداية تمرد وإنقلاب على الدولة، وإن تونس لا تحتمل مثل هذه الأحداث نظرا لمحدودية إمكانياتها المادية، وقال: «أخاف على تونس من الصوملة، لقد زرت الصومال، وشهدت الواقع هناك، كانت الصومال دولة محترمة، وعندما انهارت الدولة انهار كل شيء، وأنا أخاف على تونس من ذلك المصير».
أسف للاشاعات
وعبّر الجنرال عمّار عن أسفه واعتبرها مواقف ضده وضدّ المؤسسة العسكرية، ولبعض الإشاعات التي تستهدفه شخصيا، كما عبّر عن التزامه بشرعية الدولة، وقال «لقد عرضوا علي الرئاسة يوم 14 يناير 2011 بعد فرار الرئيس السابق زين العابدين بن علي ورفضت، وكنت مصرّاً على أن يتم نقل السلطة طبق الدستور، وذلك انطلاقا من حرصي على بلادي وعلى عقيدتي العسكرية التي تربيت عليها».
وأضاف: «حوالي الساعة ونصف من مساء 14 يناير، اتصل بي بن علي على هاتفي الجوال، وقال لي: هل أعود ؟ فقلت له إن الأمر صعب، وعندما أعلمني بأنه سيتصل بي غدا صباحا، اتصلت بجميع الأطراف ودعوت الى ضرورة تسليم الرئاسة مؤقتا لرئيس البرلمان فؤاد المبزع».
تخوف من »صومَلَة تونس«
ولدى تطرقه للوضع الأمني، لم يستبعد الجنرال رشيد عمّار إمكانية «صومَلَة تونس»، وقال إنّ «ما يجري في جبل الشعانبي عملية تمرد، واستعداد للإطاحة بنظام الحكم في البلاد، وبالتالي قد تتحول تونس إلى صومال ثانية». وقال في هذا السياق: «أنا اليوم خائف على تونس، ولا أستطيع النوم بسبب تزايد نشاط العناصر الإرهابية المسلحة، وإن هذا الكلام صارحت به الرؤساء الثلاثة (المرزوقي ورئيس الحكومة علي العريض ورئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر).
تدافع الأسئلة
وجاء إعلان رشيد عمار عن طلبه إعفاءه من مهامّه العسكرية ليطرح الكثير من الأسئلة حول دوافع وأبعاد القرار في هذه الوقت الذي تعيش فيه البلاد حالة من القلق الأمني والسياسي وأزمة إقتصادية حادة ،إضافة الى تجاذبات سياسية وحزبية وإيديولوجية حادة.
وباتت الكرة اليوم في مرمى الرئيس المنصف المرزوقي الذي توجّه إليه عمّار بطلب الإعفاء، خصوصا وأن قائد الأركان أكّد أنه صاحب عزّة نفس وأنه لن يستقيل ولا يريد لنفسه أن يقال، ما يعني أن التصريحات التي أدلى به مساء الإثنين خلال حوار تليفزيوني مدته ثلاثة ساعات ونصف، جاءت إستباقا لأي قرار بإقالته ،وشكلا من أشكال الضغط المعنوي على بقية مؤسسات الدولة بعد ملاحظة تراجع التنسيق وخاصة بين الجيش والأمن وغياب مؤسسة مخابرات قادرة على مساعدة المؤسسة العسكرية في مهامها، وبعد محاولات واضحة لإقحام الجيش وقيادته في التجاذبات السياسية والحزبية في البلاد، إضافة الى أن القيادات العسكرية باتت على دراية كاملة بوجود أخطار محدقة بأمن تونس وصلت بالجنرال عمّار الى الحديث عن خوف من «صوملة البلاد» وإلى الكشف عن وجود مخططات للتمرد والإنقلاب على الدولة من قبل الجماعات السلفية المرتبطة بتنظيم القاعدة، والى الإشارة الى أن ما يجري في تونس ليس إرهابا وإنما بداية تمرّد.
ويرى المراقبون أن الجنرال عمّار الذي كان صاحب الدور الحاسم في نجاح ثورة 14 يناير 2011، قرّر الخروج عن صمته المعتاد بعد تعرّضه والمؤسسة العسكرية الى إنتقادات عدّة، في بلد كان فيه الجيش يحظى بقداسة وإحترام من الجميع.
وعبّر الجنرال عمّار عن ألم حقيقي وهو يرد على أتهامات بالعجز على صد الجماعات الإرهابية في جبل الشعانبي، والتورّط في ما إعتبرها البعض مسرحية تم الإعداد لها من قبل قوى سياسية لإشغال الرأي العام عن القضايا الحقيقة للشعب.
حمادي الجبالي: لم أحسم موقفي من الرئاسة
أكد رئيس الوزراء التونسي السابق والأمين العام لحركة النهضة حمادي الجبالي، أنه لم يحسم بعد موقفه من الترشح للانتخابات الرئاسية، مشدداً على أن رئيس الجمهورية التونسية أياً كان لونه السياسي، لابد أن يكون محل توافق من الجميع، مبدياً تعجبه من تصريحات رئيس حركة نداء تونس الباجي قايد السبسي، معتبراً أنه «يتوهم إن ظن أنه زعيم تونس المفدى ويعيد لنا تاريخه الماضي».
وأوضح الجبالي في حوار مع وكالة الأنباء الألمانية، أن قراره بالترشح سيحسم بعد الحوار مع قيادات وأبناء حركة النهضة، وأنه سيعرض عليهم رؤيته وأولوياته إذا تولى المنصب، موضحاً أنها تتركز في تشكيل حكومة وحدة وطنية موسعة تعمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعب ومقاومة العنف بكل أشكاله خاصة.
وقال الجبالي إنه «إذا حدث توافق على برنامجي سأتقدم، وإذا لم يحدث فسأخدم تونس من مواقع ومستويات أخرى»، ملمحاً إلى أنه قد يترك منصبه كأمين عام لحركة النهضة إذا ما اتخذ قراراً بالترشح للرئاسة، لأنه لا يؤيد أن يكون الرئيس بلون حزبي، لأن هذا يضعف من قيمة وهيبة منصب الرئيس»، مشدداً على أن استقالته من موقعه التنظيمي بـ«النهضة» لا تعني بأي حال انفصاله أو خروجه على حركته.
وأكد الأمين العام لحركة النهضة، أن الخلاف حول تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية في الدستور الجديد لم يحسم بعد، موضحاً أن المسودة النهائية ستعرض على المجلس التأسيسي ولن يمرر أي فصل بالدستور إلا بموافقة 51 في المئة، والدستور كله لن يمرر إلا بأغلبية الثلثين، ملمحاً إلى احتمالية أن تؤدي النقاشات حول المسودة لإحداث تغييرات وإضافة.
احتجاجات في بروكسل
قامت عدة نساء عاريات الصدر أمس، بالاحتجاج أمام المفوضية الأوروبية في بروكسل على زيارة رئيس الوزراء التونسي علي العريض.
وذكر شهود عيان أن النساء بدأن الاحتجاج عندما غادر موكب العريض مبنى برليمونت الذي يضم مقر المفوضية الأوروبية في الحي الأوروبي في بروكسل، حيث قامت إحدى النساء بالتسلق على الزجاج الأمامي لإحدى سيارات الموكب. بروكسل- د ب أ
