فيما كان الفلاح السوري على موعد جني محصوله السنوي من القمح والشعير في بعض المناطق الثائرة التي تعاني من الويلات الاقتصادية وتدهور البنية التحتية وتفشي البطالة، أتت النيران على المحصول الزراعي والأشجار المثمرة في غالبية المناطق الشمالية، نتيجة اشتداد القتال بين الجيش الحر والجيش النظامي الذي يمطر هذه المناطق بوابل من صواريخه وبراميله المتفجرة كل يوم.

ويقول الناشط إياد كورين الذي يعمل مع شبكة شام الإخبارية في إدلب إنه «مع اقتراب موعد حصاد محاصيل القمح والمحاصيل الزراعية الأخرى في ريف إدلب الشرقي والجنوبي، تعمدت قوات النظام والشبيحة المتواجدة في المناطق الموالية للنظام بافتعال حرائق في هذه المحاصيل».

ويؤكد إياد أن هذا الفعل المشين أفضى إلى نشوب حرائق يومية في تلك الحقول، حتى أن بعض الحرائق امتدت لمساحات زراعية كبيرة واستمرت أكثر من 3 أيام دون مقدرة السكان على إطفائها.

قاعدة للحرق

وكانت منطقة سهل الروج القريبة من حاجز المعصرة، ومدينة معرة مصرين القريبة من قريتي الفوعة وكفريا المواليتين للنظام محطات انطلقت منها أعمال حرق حقول المزارعين الذين يعتمدون في موردهم المعيشي على زراعة القمح والأشجار المثمرة وخاصة الزيتون.

ويقول هاني معراني وهو ينحدر من مدينة معرة النعمان في معرض حديثه عن احتراق المحاصيل الزراعية في الريف الجنوبي والشرقي: «كنت شاهداً على أحد الحرائق، حين بدأت النار تلتهم تلك المحاصيل التي انتظر أصحابها عاماً كاملاً لجني رزقهم، ولكن ما جنوه هو التعب في محاولة يائسة لإخماد تلك الحرائق خوفاً من أن تمتد إلى الحقول المجاورة، وبالفعل طالت النيران الأراضي المجاورة».

ويرى هاني أن قذيفة واحدة تطلق من معسكرات القوات النظامية تكفي لحرق آلاف الهكتارات من المحصول الزراعي، في الوقت الذي يخشى الكثير من الناس الذهاب إلى حصد حقولهم غير المتضررة باعتبارها مكشوفة لأهداف القناصة والمدافع ودبابات الشيلكا.

معضلة رئيسية

والمعضلة الرئيسية التي تواجه المزارعين تكمن في صعوبة إخماد الحرائق، حيث إن اغلب الأهالي لا يملكون أدوات الإطفاء الكفيلة بإيقاف انتشار النيران، فضلاً على أن مديريات الإطفائية لاتزال في يد قوات النظام، ولا تسمح لطواقمها بالمشاركة في إخماد تلك الحرائق.

ودفعت هذه الأوضاع الصعبة بعض المزارعين لحصد موسمهم قبل موعد الحصاد، خوفاً من أن يذهب كامل الموسم هباءً.

ويقول عايد إدلبي الذي يعيش «حصدنا موسم القمح مبكراً قبل أن ينضج المحصول، لو نبيعه بسعر رخيص، أفضل من أن تلتهمه نيران الأسد».

ويشير عايد إلى أن عدداً قليلاً من المزارعين استطاعوا حصد أراضيهم بسبب وقوع محصولهم خارج دائرة سيطرة القوات النظامية، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن غالبية الأراضي في الريف الجنوبي والشرقي من معرة النعمان لم تسلم في نهاية المطاف من الاحتراق، بسبب استهدافها من المسافات البعيدة بالقذائف والمدافع».

معسكر الغابة

واستهدفت القوات النظامية المحاصيل في المناطق القريبة من معسكر الغابة في ريف إدلب، بذريعة أن الجيش الحر يتسلل بين الحقول ويتخذ من الأشجار المثمرة وتحديداً أشجار الزيتون ستاراً لهم في شن الهجمات ضدهم.

وشرعت قوات النظام في هذه العملية بنطاق واسع حول المعسكرات التي تسيطر عليها، بغية الكشف عن أي تحركات للجيش الحر الذي يحاول تحرير هذه المعسكرات حسبما يقول النشطاء.

ويوضح النشطاء في محافظة إدلب الغنية بالمحاصيل الزراعية أن المساحة المحروقة من الأراضي الزراعية بلغت حوالي ربع المساحة المزروعة، في الوقت الذي تم إتلاف بقية المحاصيل جراء حصدها مبكراً.

ويفسر الأهالي ذلك بأن النظام ومنذ بداية الثورة وجد أن أفضل طريقة لإذلال الأهالي وقهرهم تتجسد في حرق المحاصيل الزراعية في الأرياف التي تشكل الحاضنة الثورية.

لقمة العيش

يقول المزارع فواز معراني الذي حرم من محصوله السنوي جراء الاحتراق: يعاقبنا بلقمة عيشنا، و يقوم بإرسال مجموعات من جنوده للقيام بتلك المهمة حتى وإن كانت المناطق خارج نطاق سيطرته.