على وقع الأحداث في مصر وفي مشهد مشابه لما يجري في القاهرة تنطلق حملة «تمرد» في تونس اليوم والتي تدعو لسحب الثقة من المجلس التأسيسي وكل السلطات المنبثقة عنه في وقت من المنتظر أن يعقد المجلس الخميس المقبل جلسة عامّة لمناقشة قانون العزل السياسي المثير للجدل.

وأعلنت الهيئة المنظمة لحملة «تمرد» أن الأخيرة ستبدأ فعالياتها اعتباراً من اليوم من أمام مقر المجلس التأسيسي لتستمر إلى غاية 30 يونيو الجاري. وأضافت أن الحملة ستتواصل في حالة عدم التجاوب مع المطالب المطروحة ومنها سحب الثقة من المجلس التأسيسي وكل السلطات المنبثقة عنه بما فيها رئاستا الدولة والحكومة.

حالة سياسية

واعتبر منظمو الحملة في رسالة مفتوحة إلى التونسيين نشروها على صفحتهم بموقع التواصل الاجتماعي أن «تمرد» ليست حركة سياسية جديدة تضاف إلى حركات كثيرة ظهرت قبل الثورة، لكنها «حالة سياسية» تعكس أمرين متلازمين يتمثل الأول في سخط شعبي عام تجاه نظام حاكم تعتقد أطراف عديدة من المصريين والتونسيين أن ثورتهم سرقت وتجاه رئيس تعتقد نفس هذه الأطراف أنه ثبت عجزه عن إدارة شؤون الدولة والمجتمع ويُخشى أن يؤدى استمراره إلى حدوث انهيار كامل في مؤسسات الدولة على حدّ تعبيرهم.

ويتمثل الأمر الثاني في أمل استعادة الثورة من «براثن مغتصبيها»، والإصرار على تصحيح مسارها وتنقيتها من الشوائب التي علقت بها إبان المرحلة الانتقالية لم تكتمل بعد.

حملة سلمية

وجاءت فكرة «تمرد» كمحرك وهي في جوهرها سلمية وديمقراطية تماماً ولا علاقة لها بالعنف من قريب أو بعيد، بالرغم من أن اسمها ربما يوحى بغير ذلك.

وتقوم الحملة بجمع التوقيعات على وثيقة تدعو إلى سحب الثقة من المجلس التأسيسي والسلطات المنبثقة عنه، والدعوة إلى سرعة خوض انتخابات جديدة حرة ومستقلة وبمراقبة دولية نزيهة، والتعهد بالتمسك بأهداف الثورة والعمل على تحقيقها.

على صعيد آخر، لا يزال قانون العزل السياسي أو ما يعرف في تونس بقانون تحصين الثورة يلقي بلاله على المشهد التونسي حيث من المرتقب أن يعقد المجلس التأسيسي الخميس المقبل جلسة عامّة لمناقشة هذا القانون في وقت دعت المحكمة الإدارية رئيس المجلس مصطفى بن جعفر إلى الرد على من ملاحظاتها حول القانون المثير للجدل.

صداع مشترك

ويعتقد المراقبون أن مفاوضات تجري من تحت الطاولة للبحث عن مخرج من مأزق العزل السياسي الذي بات يمثّل صداعا مشتركا للفرقاء السياسيين ، حيث عبّرت عدد من المنظمات الدولية ومنها منظمة العفو الدولية ومنظمة «هيرمن رايتس ووتش» عن مخالفة القانون لحقوق الإنسان واعتماده مبدأ العقاب الجماعي ، كما لا تخفي عواصم غربية قلقها من إصرار تيارات راديكالية على تمرير مشروع العزل في إطار الصراع على السلطة .

خصوصا وأن رئيس حركة نداء تونس الباجي قايد السبسي المعروف بعلاقاته المتميزة مع باريس وواشنطن نجح في الترويج لفكرة أنه وحركته المستهدفان الأساسيان من القانون.

وفي حين يتمسك جناح المتشددين في حركة النهضة بتمرير قانون العزل السياسي ، يعلن الجناح المعتدل بعدد من رموزه مثل الأمين العام للحركة حمادي الجبالي ،ونائب رئيس الحركة عبدالفتاح ،ووزير حقوق الإنسان والعدالة سمير ديلو رفضهم للقانون ، مما دفع برئيس حركة النهضة راشد الغنوشي إلى مسك العصا من الوسط والدعوة إلى تمرير القانون بعد إجراء عدد من التعديلات عليه.

وفي حين لا يخفي رئيس المجلس التأسيسي رفضه للقانون يحاول رئيس الحكومة علي العريّض البحث عن حل وسط يرضي جميع الأطراف من أجل تجاوز حالة الاحتقان السياسي في البلاد، غير أن حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يتزعمه الرئيس المنصف المرزوقي يصرّ على تمرير القانون لأسباب يعتبرها المراقبون انتخابية بحتة بسبب فقدان الحزب لقواعد شعبية مؤثرة وتراجع شعبيته بين التونسيين.

اختراق فاضح

 

أكد عدد من رجال السياسة التونسيين لـ «البيان» أن قانون تحصين الثورة أو العزل السياسي يمثّل اختراقا فاضحا للقانون وحقوق الإنسان وللقيم الديمقراطية ،وهو مشروع «إخواني» يهدف إلى تمكين الإسلاميين من الحكم واستبعاد خصومهم السياسيين والفكريين في وقت أعلن قياديون يساريون أن القانون يجب أن يشمل الجميع بمن فيهم الحكاّم الحاليون «الذين خانوا ثقة الشعب».

مصير المرزوقي بين مطرقة «النهضة» وسندان المعارضة

ينتظر التونسيون الجلسة العامة للمجلس التأسيسي المقرّرة الأربعاء المقبل والمخصصة للنظر في لائحة سحب الثقة من الرئيس المنصف المرزوقي وإعفائه من منصبه، في وقت ربط مراقبون مسألة الإطاحة بالرئيس التونسي بحصول توافق بين حركة النهضة التي تقود الائتلاف الحاكم في البلاد وبين قوى المعارضة حول مشروع الدستور الذي تسعى الحركة لتمريره.

ويطرح المراقبون أكثر من سيناريو لما ستؤول إليه الأيام المقبلة، فالمرزوقي قد يتعرّض للإعفاء فعلاً إذا لم يجد سنداً من كتلة حركة النهضة التي تجد نفسها مختلفة معه في شأن مشروع الدستور المقرر عرضه للمناقشة والتصويت بالمجلس بداية من 1 يوليو المقبل.

وبالمقابل، لن يجد المرزوقي دعماً من معارضي قانون العزل السياسي الذي يتبنّاه حزبه المؤتمر من أجل الجمهورية، وفي هذه الحالة على المرزوقي وحزبه أن يتراجعا عن مواقفهما من المشروع الدستور وقانون العزل السياسي وتقديم ضمانات جدية في ذلك.

تحالف متوقع

غير أن الأمر الذي قد يحدث انقلاباً في المواقف هو تحالف كتلة حركة النهضة والمعارضة في حالة توافقهما حول الدستور مقابل الإطاحة بالمرزوقي وعزل حزب المؤتمر من أجل الجمهورية في دائرة مغلقة خصوصا وأن عدد نوابه في المجلس التأسيسي بات لا يتجاوز عشرة نواب، كما أن سحب لائحة الإعفاء قد يكون ممكنا في حالة التوصّل إلى توافقات سريّة حول جملة من القضايا المطروحة بقوّة في الساحة السياسية

وتتجه الأوضاع في تونس إلى عقد صفقة بين جميع الأطراف خصوصا وأن ما يهم المرزوقي هو البقاء في الحكم، وما يهمّ حركة النهضة هو تمرير مشروع الدستور، وما يهم جزءاً من المعارضة هو التوافق على المرحلة المقبلة.

الموقف القانوني

قانونياً، يقول الخبير الدستوري أمين محفوظ: إنه «إذا ما تم التصويت بالإعفاء فإن رئيس الجمهورية يعفى يوم التصويت ويتولى رئيس المجلس التأسيسي مهام رئيس الجمهورية طوال الفترة الممتدة من تاريخ الاعفاء الى تاريخ إعادة انتخاب رئيس جديد على أن لا يتجاوز ذلك 15 يوماً».