«أيام قلائل» ويكتب التاريخ فصلاً آخر في المشهد المصري، فصل يتقطّر إثارةً ومفصلية، إذ يرتقب الكل تظاهرات 30 يونيو التي تعتزم قوى المعارضة تسييرها ضد حكم الرئيس محمّد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين بهدف الإسقاط وسحب الشرعية، فيما يرى مراقبون أنّ «الإخوان» تحصد من خلال التظاهرات المرتقبة نتائج حروب في كل الجبهات أدارتها على مدى عام كامل من الاحتقان السياسي.
ويلفت المراقبون إلى أنّ «جماعة الإخوان المسلمين فتحت صراعات على كل الجبهات من أجل استكمال مساعي السيطرة على مفاصل الدولة وتثبيت الأقدام بالجهاز الإداري»، مشيرين إلى أنّ «تلك المساعي تأتي ربما من إحساس الجماعة أنّ موعد السقوط اقترب وبالتالي تحاول الخروج بأكبر عدد ممكن من المكاسب التي تؤهلها للاستمرارية في التحكّم بأداء المؤسسات لتشكّل بعناصرهم عصب أجهزة الدولة».
ويبيّن المراقبون أنّه وخلال الشهور العشرة الماضية انفتحت جروح مصر جميعها أمام «الإخوان» ما كان يستلزم جدّية في التعامل بدءاً من «الأقباط» و«سيناء» وكثير قضايا أخرى، موضحين أنّ جماعة الإخوان تجاهلت كل تلك المشكلات مركّزة جلّ اهتمامها على السيطرة على الدولة استثماراً للفرصة التي قد لا تأتي مُجدداً.
وحدّد مراقبون 5 ملفات رئيسية تضع تنظيم الإخوان على شفا التهاوي والسقوط، وجميعها ناتجة من سوء إدارة السلطة الحالية للأزمات المتواجدة بمصر، ومُحاولة استثمار الفرصة الحالية للإخوان والتركيز على تحقيق أهداف ورؤى مكتب الإرشاد، بغض النظر عن متطلّبات الشارع.
قمع المعارضة
ويتمثّل أول الملفات في لجوء تنظيم الإخوان إلى «قمع المعارضين»، الأمر الذي اتضح جلياً من خلال جملة الاعتقالات التي شهدتها الـ 10 شهور الأخيرة والتي بلغت 3460 معتقلاً، إذ تعمدوا استخدام القبضة الأمنية سيراً على نفس خطى ونهج نظام مبارك، إذ راحت تفتتح عهد مُرسي بسلسلة من الاعتقالات طالت نحو 25 في أحداث السفارة السورية، واعتقال 14 شاباً في أحداث تظاهرات سوريا الثانية، واعتقال 459 شاباً في أحداث السفارة الأميركية فضلاً عن اعتقال 541 آخرين في أحداث ميدان سيمون بوليفارا.
وفي الأحداث الأخطر التي شهدتها مصر طيلة عهد الرئيس مرسي، وفيما يسمى بـ «الثلاثاء الدامي» تمّ اعتقال 166 شاباً في أحداث الاتحادية، فيما اعتقل 490 شاباً خلال الذكرى الثانية للثورة، و104 آخرين أثناء فض ميدان التحرير، فضلاً عن 303خلال «أحداث الكورنيش» واعتقال 65 آخرين خلال أحداث المقطم، و138 ناشطاً اخرين بتُهم مختلفة من بينها الانتماء لحركة «بلاك بلوك» والترويج لأفكارهم وحرق مقار الإخوان وإهانة الرئيس، وفق إحصاءات حصلت عليها «البيان» من جبهة الدفاع عن متظاهري مصر.
صدام مؤسسات
ويتمثّل ثاني أبرز الملفات الناتجة من صراعات الإخوان المفتوحة الآن على المشهد ما يتعلق بالصدام مع مؤسسات الدولة، إذ فتح تنظيم الإخوان صراعاً وصداماً مستمرين مع المؤسسة القضائية تأجّجا بمناقشة مجلس الشورى مشروع قانون السلطة القضائية المثير للجدل والذي يعتبره قضاة مصر يُسهم في «مجزرة للقضاة»، كما فتحوا كذلك صداماً مازال صداه يتردّد مع المؤسسة الإعلامية من خلال التنكيل بعدد من الصحافيين وإحالاتهم للتحقيقات والمُحاكمة إلى حد أنّ الإحصاءات الرسمية التي أصدرتها مؤسسات حقوقية أثبتت أنّ عدد البلاغات التي قُدمت ضد الصحافيين في الشهور العشرة الأخيرة تزيد على كمية البلاغات التي قُدمت ضد الإعلاميين خلال 30 عاماً من حكم مبارك!، فضلاً عن تورّط السلطة في إغلاق قنوات فضائية ومُساعيها نحو أخونة الآلة الإعلامية الرسمية.
مثخن جراح
ويتعلّق ثالث الملفات بفشل جماعة الإخوان المسلمين في التعامل مع «جروح مصر»، وهي الجروح التي فجّرتها وفتحتها «ثورة يناير» بقوة، يأتي في مقدمتها «مُشكلات الأقباط» التي تفاقمت في زمن الإخوان، وفشل القادة أصحاب التوجّه الديني بالسلطة في وضع حلول عملية نابعة من رحم الإسلام لعلاج تلك الأزمة، بل إنّ وجود سلطة ذات توجهات إسلامية في مصر تُعد نفسها مصدراً لقلق الأقباط وباعثاً لتخوّفاتهم، لدرجة أن البعض لجأ إلى الهجرة ومغادرة البلاد.
ومن أبرز الجروح «جراح أبناء سيناء»، إذ فشلت إدارة الرئيس مُرسي في احتوائهم وسلب شعورهم بالتهميش والإقصاء، فتفاقمت المشكلات لاسيّما في ظل وجود جماعات جهادية ترتع في سيناء وتتورّط في عمليات تُهدّد الأمن القومي المصري على مرأى ومسمع من «الإخوان» ، فضلاً عن فشل السلطة الحالية في التعامل مع مشكلات الأقليات بصفة عامة وهي المُشكلات التي قد تتفاقم لتنفجر في وجه السلطة الحالية التي بدت سارية في تنفيذ أجندتها دون النظر لتلك الأصوات التي تتعالى مُنادية بالإصلاح أولاً ثم اضطرت لأن تتعالى لتنادي بـ «إسقاط النظام».
أزمة اقتصاد
ووفق ما يؤكّد مراقبون أنّ الملف الرابع الذي يعد «الأكثر خطورة» على جماعة الإخوان المسلمين يتعلق بالوضع الاقتصادي الهش الذي بات مصدراً لقلق المصريين، والذي أدى لتهديد الإدارة المصرية الحالية بـ «ثورة جياع» في ظل فشل الحكومة في وضع آليات لعلاج الوضع الاقتصادي الراهن، وتزامناً مع تزايد نسبة عجز الموازنة، فضلاً عن تهاوي نسبة الاحتياطي النقدي من العملة الأجنبية وزيادة معدلات التضخم والبطالة.
وحسب المراقبين فإنّ «الإخوان» مهما حاولت خداع وتزيف وعي الناس بإنجازات سياسية أو غيرها هي في الأصل إنجازات زائفة غير حقيقية، فإنه لن يستطيع أن يخدعهم بالحديث عن وضع اقتصادي يتحسن، خاصة أنهه يتلمسون ذلك الواقع الصعب بأيديهم، ويعايشونه يومياً، وبالتالي يستشعرون مدى الأزمة الحالية، والتي قد تدفعهم إلى اتخاذ تحركات ثورية ضد السلطة الحالية.
معوج ممارسات
ولعل آخر الملفات التي يتمثّل في معوج الممارسات التي سلكتها «الإخوان» بتجاهل العلاقات التاريخية مع الدول العربية لاسيّما الخليجية منها، لحساب توطيد العلاقة مع إيران وقطر، فضلاً عن أنّ الجماعة عمدت إلى إيقاظ خلاياها النائمة من أجل عمل تحركات بعينها تُهدد استقرار تلك الدول في قضية فتحت نيران داخلية وخارجية عليها.
إقليمياً ليس أدل على الفشل عملياً سوى قيام إثيوبيا مؤخراً بالشروع في استكمال بناء «سد النهضة» إذ فشلت الدبلوماسية المصرية في ذلك كما فشلت في توطيد العلاقة مع كافة دول القارة السمراء، أما على المستوى العالمي فهي علاقات تحكمها المصالح والبرجماتية الأميركية، وبالتالي فلا يُعول عليها بشكل أو بآخر، لكن راح الإخوان يخطبون ود أميركا في كل بادرة، ويسيرون على هدي النظام السابق وخطاه فيما يتعلق بالعلاقات مع الولايات المُتحدة.
خروج معارضين
دفعت الصراعات التي أقحمت جماعة الإخوان المسلمين نفسها فيها بصورة مباشرة والصراعات التي كان طرفاً مشتركاً فيها بشكل مباشر، جموع المعارضين لسلطة الإخوان إلى توعدهم والتهديد بالخروج عليهم.
وتمثّل تظاهرات 30 يونيو المرتقبة بحسب كثيرين ترجمةً حقيقية لخُطوات المعارضة للتعبير عن كل تلك الملفات التي تسببت فيها سياسات «الإخوان».
