لم تثر زيارةٌ للرئيس الأميركي باراك أوباما ضجة كما تثير التحضيرات المبرمجة لزيارته المرتقبة نهاية الشهر إلى إفريقيا.. ومنبع الضجة هو العنصر المادي والتكلفة.

إنها 60 مليون دولار، يصرفها البيت الأبيض في أوقات ركود اقتصادي وسياسة تقشّف وخفض نفقات، وبالتالي قامت قائمة المعارضة الجمهورية.. لكن البيت الأبيض كشف في عبارة عابرة المقصد الرئيس للزيارة، أو ربّما هو تبرير لإسكات الألسن: «إنّنا بلد يتزعم العالم باستثناء هذه القارة»!.

فبالحسابات الإستراتيجية إفريقيا كنز، ولهذا باتت محل صراع القوى الكبرى.. والدول الطامحة للعب دور. فهناك المستعمران القديمان: فرنسا وبريطانيا، وهناك نفوذ متزايد، ومقلق بالتأكيد للولايات المتحدة وحلفائها، للصين.. فضلاً عن مساع إيرانية مستميتة لتأسيس علاقات شراكة مع بعض دول الغرب الإفريقي، وهناك دخول نشط للسياسة التركية.. ولكن أين أميركا؟

لأعوام طويلة سعت الإدارات الأميركية لتأسيس القيادة الأميركية لإفريقيا (أفريكوم)، وهي إذ نجحت في ذلك نظرياً في العام 2007 إلاّ أن الإطار العملي لم يترجم على أرض الواقع إلاّ بعد تفجّر أزمة مالي وبزوغ خطر تنظيم القاعدة في شمال إفريقيا.. إذن، هناك فهم استراتيجي جديد في الدوائر الأميركية، وبخاصة الاستخباراتية والعسكرية، لأهمية إفريقيا في السياسة العالمية، وفي السياسات الأميركية ضد: الإرهاب وتنظيم القاعدة، وضد طموح إيران لإنتاج القنبلة النووية التي تتعطّش لليورانيوم الإفريقي، وضد النفوذ الصيني.

وعلاوة على كل هذه الشجون السياسية الأمنية، هناك سياسات اقتصادية طموحة، فأسواق دول هذه القارة قد تكون طوق النجاة للشركات المصنّعة في الولايات المتحدة التي تعيش أوضاعاً صعبة وتبحث عن فتح منافذ تصريف وتصدير جديدة.. وهناك ما هو أهم، فالذهب الأسود آخذ في الظهور بكثافة في تلك البقاع المنسية والإمبراطوريات النفطية الأميركية ترى عندها الأفضلية.. ولا يمكن إغفال أنّ 53 من البترول المستورد أميركياً مصدره إفريقيا، لا الشرق الأوسط. وإذا أخذنا مفهوم «تأمين النفط» الذي بات من ركائز السياسة الخارجية والأمن القومي الأميركي منذ أزمة السبعينات يمكن فهم الحرص على التواجد في هذه القارة، وليس أفضل من استغلال وجود رئيس نصف إفريقي سيّداً للبيت الأبيض لتحقيق هذه الغايات، وحماية تلك المصادر من التهديدات القائمة والمحتملة، ومن مطامع.

البيت الأبيض دافع بشدة عن الجولة المرتقبة للرئيس باراك أوباما إلى هذه القارة، وتحديداً إلى السنغال وتنزانيا وجنوب إفريقيا، نهاية الشهر، وشدّد على أنّ إفريقيا منطقة بالغة الأهمية وبها «مصالح ضخمة»، مركّزاً على أن بعض الاقتصادات التي تنمو بسرعة موجودة هناك، في حين يجري العمل مع بلدان إفريقية حول ملفات أمنية أساسية.. والأهم من كل ذلك «لا معنى للقول إننا بلد يتزعم العالم باستثناء هذه القارة.. يجب أن نكون موجودين في إفريقيا» كما قال الناطق باسم البيت الأبيض.

وترى الإدارة الأميركية أن واشنطن «ستخسر موقعها المتفوق» في العالم إذا لم يول الرئيس الأميركي إفريقيا اهتماماً خاصاً.