لم يسبق لروسيا أن قوبلت بكل هذا الكم من الانتقادات في محفل دولي مهم مثل قمة البلدان الصناعية الكبرى. حتى إن البعض ومنهم رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر، لم يتردد في التذكير بالتسمية القديمة لمجموعة «الثماني الكبار» عندما قال: إن «علينا أن نواجه الحقيقة، نحن مجموعة السبع زائد واحد»، في إشارة لها مغزى عميق، خصوصاً أن روسيا نشطت لسنوات طويلة من أجل فرض وجود «كامل ومتكافئ» في المجموعة على المستويات المختلفة سياسياً واقتصادياً.

لكن العبارات القوية التي قيلت للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في اللقاءات الثنائية مع الزعماء الحاضرين، لم تنجح في تقريب وجهات النظر بين روسيا والغرب حيال الملف السوري.

فرض أجندة

لم تكن التوقعات كبيرة في موسكو، باحتمال تحقيق اختراق في هذا الاجتماع أصلاً. ودل نشاط الدبلوماسية الروسية خلال الأسابيع الأخيرة، على توجه الكرملين نحو محاولة فرض أجندة واحدة في الملف السوري، تقوم على عدم وجود بديل عن «جنيف2» برغم المطبات الكثيرة التي تعرقل الطريق إليه.

وهكذا سارعت موسكو إلى التشكيك بصحة المعطيات الأميركية عن استخدام نظام الرئيس بشار الأسد أسلحة كيماوية. ورفضت بشدة الأفكار الغربية التي تم تداولها أخيراً، بشأن فرض مناطق حظر جوي. ودانت القرار الأوروبي برفع الحظر جزئياً عن تسليح المعارضة السورية، ووجهت إدانة مماثلة للقرار الأميركي في الشأن ذاته.

وبرغم غياب الاتفاق على كل التفاصيل المتعلقة بسبل إنجاح المؤتمر، إن عقد، حصل الكرملين على إجماع «الكبار» حول بند وحيد يقوم على عدم وجود بديل عن الحل السياسي.

والهدف الأساسي الذي سعى إليه الرئيس الروسي، كما يشير خبراء مقربون من الكرملين، هو تأجيل الشروع بتنفيذ خطوات ملموسة من جانب الغرب. في إطار رهان على تبدل محتمل في موازين القوى على الأرض السورية، يجبر بعض أطراف المعارضة السورية على الجلوس إلى طاولة حوار مع النظام تفضي إلى مرحلة انتقالية يظل الأسد أو أحد المقربين منه ممسكاً بمفاتيح القرار خلالها.

لكن الأهم من ذلك، أن تتمكن موسكو من تعزيز قدرتها على المناورة في الحوار الصعب الذي تخوضه مع واشنطن ومع «الشركاء الغربيين» الآخرين، للوصول إلى اتفاق يفتح برأي البعض على ما بات يوصف بـ«الصفقة الشاملة» التي تسعى موسكو إلى رسم ملامحها مع الغرب.

شراكة ندية

في هذا الإطار كان للقاء بوتين مع نظيره الأميركي باراك أوباما على هامش القمة أهمية خاصة. ليس لتوقع خروجه باتفاقات محددة وشاملة، فهذه أصلاً كانت مؤجلة إلى القمة الروسية - الأميركية المقررة في موسكو يومي الثالث والرابع من سبتمبر المقبل، بل لأن اللقاء يمهد الطريق فقط نحو بث الروح مجدداً في عملية «إعادة تشغيل العلاقات» بين البلدين، التي أطلقها أوباما فور وصوله إلى البيت الأبيض في ولايته الأولى، وحققت نجاحاً جزئياً، قبل ظهور معطيات دولية وإقليمية جديدة رأت فيها موسكو حافزاً لمحاولة الشروع برسم ملامح علاقة مختلفة مع الغرب تقوم هذه المرة على «الشراكة الكاملة والندية»، كما أعلن أكثر من مرة، وزير الخارجية سيرغي لافروف. بهذا المعنى، يغدو اختلاف وجهات النظر حول سوريا، جزءاً من عملية كبرى تهدف إلى رسم ملامح النظام الدولي الجديد كما تراه موسكو.

لاءات روسيا

وبمراجعة متأنية لنسخة عقيدة السياسة الخارجية الروسية المعدلة التي أقرت أخيراً، يبدو أن الوضع في سوريا شكل الذريعة المباشرة الصالحة من وجهة نظر الكرملين للتقدم نحو هدف أساسي عمل بوتين على تحقيقه منذ توليه الرئاسة عام 2000، وهو يقوم على الدفع لإعادة النظر في نتائج «الحرب الباردة» والنتائج التي كرستها على تركيبة عمل النظام الدولي وآلياته. وهذه النتيجة كما يؤكد خبراء روس باتت ممكنة الآن، بعدما نضجت ظروفها خلال السنوات العشر الأخيرة.