قبل أيام قلائل تفصل المشهد المصري عن تظاهرات مُرتقبة في 30 يونيو، رجّح مُراقبون أن تكون الأقوى منذ ثورة يناير، في ظل تعاظم الحشد والشحن بالشارع المصري، بدت لغة «التحريض» هي المُسيطرة على الجانبين، سواء من قبل الفصائل الإسلامية التي تتسابق للنزول من أجل حماية ما يسمونه بـ«الشرعية»، أو من قبل الفصائل المُعارضة التي ترى أن حكم الإخوان المسلمين «فاشي» وسوف يحمل مصر إلى مصير غامض؛ لكون تنظيم الإخوان يعبث بمقدرات البلد من أجل أخونتها وتمكين عناصره فيها؛ لتحقيق مشروعه في المنطقة.
وفي ظل هذه الأجواء الطاغية من التحريض والشحن المعنوي والمادي كذلك، تزامنًا مع ارتفاع لهجة «التهديد والوعيد»، فضلاً عن لهجة التحذير من أعمال عنفٍ متوقعة يفتقد المشهد المصري «صوت العقل»، وخاصة أن النخبة من الطرفين قد مزقتهم صراعاتهم السياسية وأجنداتهم الخاصة، وباتوا مُشتتين أمام مشروعين، أحدهما نموذج للدولة المدنية المعاصرة والآخر نموذج لدولة يغلب عليها الطابع الديني، في ظل الصراع الأزلي ما بين الأصالة والحداثة.
مبادرة صلح
وحاول حزب الوسط الذي يترأسه أبوالعلام ماضي أن يقوم بدور «حمامة السلام» التي تتوسط لتجمع بين فرقاء الثورة المصرية، فأطلق مُبادرة للصلح بين الفصائل وبعضها البعض، لكن كونه محسوبا على التيار الإسلامي فإن ذلك حال دون أن يتحقق شيء، كما قامت شخصيات عدة بمُحاولة تقريب وجهات النظر بين الطرفين المتصارعين، لكنهم فشلوا تزامنًا مع حملات «تشويه» طالت جميع الرموز والنخب السياسية بمصر، فكان على رأسهم زعيم حزب غد الثورة د.أيمن نور، الذي حاول أن يجمع بين الإخوان وجبهة الإنقاذ من خلال لقاء غير رسمي وسري بين القيادي بالجبهة عمرو موسى وبين الرجل الأول بتنظيم الإخوان نائب المرشد العام المهندس خيرت الشاطر، لكنها مُحاولة باءت بالفشل كذلك.
ورغم أن مُهمة «لمّ الشمل» كانت من الأولى أن تأتي من قبل رجال الدين، على اعتبار كونهم صوت العقل بالمشهد المصري، سواء كان الأزهر الشريف أو الكنيسة، أو حتى الفصائل الإسلامية المختلفة، إلا أنهم جميعًا، وفي ما يؤكده مراقبون وفي ظل وجود سلطة ذات خلفية إسلامية، راحوا يتفرقون ما بين مؤيدين أو معارضين لتلك السلطة، وانزووا من أجل تبرير تأييدهم أو معارضتهم، وبالتالي قد تخاطفتهم سبل المزايدة على السلطة الحالية أو التبرير لها.
تحريض
وبرزت خلال الفترة الأخيرة جملة من التصريحات التحريضية، في مقدمتها تأتي تصريحات الداعية الإسلامي الشيخ وجدي غنيم، الذي وصف المتظاهرين بـ«الكُفّار»، وهو ما ألمح إلى بعد خطير في علاقة القوى السياسية المتصارعة بمصر الآن، إذ كون ذلك التصريح قد كشف على أن الفصائل الإسلامية تُدير الصراع بآلية طائفية أو آلية من منظور ديني، وبالتالي فهي تُعد من هو دون تيار الإسلام السياسي ككفار أو فاسقين، وليسوا فقط مُعارضين، وهو ما بدا واضحًا من خلال أحاديث وتصريحات قيادات وكوادر الجماعة، ليبدو الصراع بين طرفين أحدهما «مسلم» والآخر «كافر»!
وأكد مراقبون على كون المشهد الحالي على الصعيد المصري يُنذر بما لا يدع مجالًا لذرة شك أن الأجواء ستشهد المزيد من التطورات، قد تأتي في صالح القوات المُسلحة التي وبشهادة نفر كبير من الخبراء والمعلقين - لن تسمح بسقوط مصر في بحارٍ من الدم، وبالتالي فقد تلعب دورَ «العقل» لحسم الصراع، لكن قد تُقحم نفسها طرفًا فيه، بحيث تكون مُستفيدة سياسيًا من ذلك، وهو مصير بعيد تمامًا عن ثورة يناير التي نادت بدولة مدنية حديثة، لأن جنرالات العسكر قد يربحون الرهان كحصان أسود يخلق الموازنة بالمشهد الحالي.
فريسة
سقطت فئة الشباب التي بدت مُحركًا رئيسيًا للحركات الاعتراضية والثورية، هي الأخرى فريسة لحملات التحريض التي تقوم بها القوى والفصائل السياسية المختلفة، رغم أنهم وفق ما يؤكده المفكر القبطي إكرام لمعي في تصريحاته لـ«البيان» قد أبدوا ردود أفعال مُغايرة وبعيدة عن التنظيمات والقوى السياسية التي ينتمون إليها، سواء شباب الإخوان الذين قرر كثيرون منهم الانشقاق ومعارضة الجماعة، أو حتى شباب الكنيسة والقوى السياسية الحزبية الأخرى.