انتقال إدارة الرئيس الأميركي باراك اوباما من العزوف عن تسليح المعارضة السورية إلى عكسه، كان متوقعاً في الأيام الأخيرة وعبر بوابة «الكيميائي»، كما أشارت «البيان» سابقا في هذه الزاوية.
الضغوط والاعتبارات الجيوسياسية بعد معركة «القصير» فرضته. مع ذلك، جاءت نقلة البيت الأبيض نصفية. فهي ليست من الوزن الثقيل القادر على قلب المعادلة الجديدة على الأرض، كما ليست من الوزن الخفيف السابق. بين الاثنين. مصمّمة لمنع استنساخ «القصير» في حلب وغيرها. الصيغة المبهمة التي اعتمدت للإعلان عن التوجه الجديد، بدت وكأنها رسالة موجهة إلى موسكو وطهران للعمل على وقف الزحف وإلاّ فإن قرار التسليح المحدود، مفتوح على التصعيد. لكن لا يستبعد المراقبون عدم اكتراث العاصمتين الروسية والإيرانية به، على أساس أن الخطوة جاءت «ضئيلة كثيراً ومتأخرة أكثر»، بتعبير أحد المحللين. خاصة وأن المبادرة صارت بيد الهجوم المضاد الذي قد لا يعطي الفرصة للتسليح ليقف في طريق استعادته المدن والمواقع من قوات المعارضة.
موقف ونقاش
الموقف الأميركي الجديد صدر بشق الأنفس. أخذ عدة أيام من النقاش في مجلس الأمن القومي، واستدعى حضور وزير خارجية بريطانيا إلى واشنطن ولقاءه مع نظيره كيري. وربما كانت زيارته لها علاقة بتقديم موضوع «الكيميائي» كمبرّر لانتقال الإدارة إلى خندق تزويد المعارضة بسلاح فعّال. الرئيس اوباما ما كان في هذا الوارد حتى اللحظة الأخيرة. والدليل أنه حرص على بقاء القرار في دائرة اللون الرمادي. واستبعد منه موضوع منطقة حظر جوي. وقد أشار القرار إلى «رفع منسوب الدعم من الناحيتين النوعية والكمية». تردّد أن الكميات «التي بدأت تتدفق منذ الآن على قوات اللواء إدريس»، تشمل مضادات للدروع والطيران. لكن نائب مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي، بن رودز، الذي تمّ تكليفه بإعلان التحوّل، لم يفصح بشيء عن الأسلحة وحجم كمياتها. اكتفى بالتلميح إلى اعتماد خيار التسليح بالاستناد إلى «ثبوت استخدام القوات السورية للسلاح الكيماوي - غاز السارين - أكثر من مرة وبما تسبب بمقتل مئة إلى مئة وخمسين شخصاً». وبذلك فهو اجتاز «الخط الأحمر» وبما اقتضى الرد بتسليح طرف من المعارضة. لكن إذا كان الكيماوي قد جرى استخدامه، فواشنطن كانت على علم به قبل اليوم. «القصير» وراء قرار التسليح، «الكيماوي» كان المدخل.
استباق وتحذير
وكان من اللافت أن تعلن إدارة أوباما عن نقلتها المواربة عشية حدثين: لقاء الرئيسين أوباما وفلاديمير بوتين الأسبوع المقبل في قمة الثمانية بإيرلندا. وانتخابات الرئاسة الإيرانية. أرادت أن تستبق الاستحقاقين بامتلاك ورقة التسليح. لكنها في ذات الوقت حرصت على أن تبقى هذه الورقة في حدود التحذير، بما انها ردّ على التطورات وليست قرار مواجهة. فهي بحاجة إلى بوتين في عقد المؤتمر الدولي بشأن سوريا. وهذا خيار لم تتخلّ عنه. وزير الخارجية الأميركي جون كيري شدّد كما فعل نظيره البريطاني وليام هيغ على أن الهدف في آخر المطاف هو الحل السياسي عبر المؤتمر ولا مخرج سواه. كذلك هو الأمر بالنسبة لطهران ورئيسها المقبل، فالإدارة عينها على حلّ تفاوضي للنووي الإيراني. فهو ملف له الأولوية في حساباتها الاستراتيجية. المواجهة مع إيران في سوريا لا تخدم هذا التطلع، لكل ذلك تبدو إدارة أوباما وكأنها تأمل أن يفلح تغيير موقفها المحدود من الأزمة السورية، في حمل موسكو وطهران على مراجعة حساباتهما وصرف النظر عن مواصلة الزحف إلى حلب وغيرها. مراهنة يقول البعض، مثل السناتور جون ماكين، أنها في غير محلها، لأن صيغة التسليح التي طلعت بها الإدارة «غير كافية طالما بقيت من دون منطقة حظر جوي وعمليات جوية».
لا يختلف المراقبون على تصنيف التحول في خانة التصعيد. لكن لا إجماع على جدواه ومدى تأثيره في الوضع السوري، خاصة إذا بقي في حدوده الرمادية التي بدت للبعض أقرب إلى رفع العتب والتخفيف من الإحراج.