أظهر «نصرة سوريا» واستبطن «تظاهرات 30 يونيو»، ففيما يرى مراقبون أنّ جماعة الإخوان المسلمين الحاكمة في مصر أرادت ومن خلال خطاب الرئيس المصري محمد مرسي في مؤتمر نصرة الشعب السوري بحضور مختلف فصائل التيّار الإسلامي ومستشاري الرئيس ونحو 500 عالم إسلامي استعراض القوّة والمقدرة على الحشد في رسائل موجّهة إلى الشارع الثائر.
ويشير مراقبون إلى أنّ قرارات الرئيس مرسي خلال المؤتمر والمتمثّلة في قطع العلاقات رسمياً مع نظام الرئيس السوري بشّار الأسد، وإعلان إغلاق سفارة سوريا في القاهرة، وسحب القائم بالأعمال المصري من دمشق، تهدف إلى إجراء عمل تجميل وجه لـ«الإخوان».
لافتين إلى أنّه وبعيداً عن الشعار المُعلن الذي رفعته الفصائل الإسلامية في المؤتمر فإنّ الحشد الكبير يمثّل مُحاولة من مُحاولات جماعة الإخوان المسلمين من أجل إرهاب المعارضين، على غرار المؤتمر الذي عقده الرئيس مرسي الأسبوع الماضي حول ملف «مياه النيل» بحضور فصائل الإسلام السياسي.
مشيرين إلى أنّ تصريحات مرسي إبّان مؤتمر المياه وحماسه منقطع النظير بشأن عدم نية مصر التفريط في قطرة مياه يعني في المقام الأول سعي جماعة الإخوان المسلمين لـ«استعراض العضلات» وإخافة المناوئين.
ازدواج مرامي
ومنذ لحظات المؤتمر الأولى أظهر وجهته الحقيقية وبشكل بارز، إذ شهد هتافات واضحة مُتضامنة مع الرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان، في الوقت الذي رفع فيه عدد كبير من الحاضرين بجوار أعلام سوريا لافتات وشعارات ضد حملة «تمرّد» الساعية لسحب الثقة من الرئيس وجماعته.
فضلاً عن هتافات للتأكيد على كون مرسي باقياً في الرئاسة لمدة 7 سنوات كاملة ليستكمل دورتين متتاليتين!، ما أعطى المؤتمر طابعاً سياسياً واضحاً وكشف الهدف غير المُعلن منه بصورة مٌباشرة، ألا وهو تقديم رسالة إلى جموع القوى والفصائل المعارضة والرافضة لحكم الإخوان، مفادها أنّ الجماعة قادرة على الحشد وأن التيّار الإسلامي وعناصره يتضامن معها.
ومن أبرز هتافات المشاركين «يا مرسي سير، وإحنا وراك من غير تفكير»، «بنحبك يا مرسي»، «سمع هس مفيش كلام.. الرئيس مرسي تعظيم سلام»، «يا مرسي خد قرارك، الشعب المصري في انتظارك»، وغيرها من الهتافات بجوار صور لمرسي وأعلام لمصر وسوريا وعدد من البلدان العربية، في الوقت الذي نادت فيه المنصة الرئيسية بالاستاد غير مرة مُطالبة الجمهور بـ«التكبير» وترديد هتافات مؤيدة لمرسي وجماعته.
استعراض قوة
ويرى الخبير السياسي البارز أستاذ العلوم السياسية د. حسن نافعة، أنّ «المؤتمر المنقضي ليس لنصرة سوريا أو غيرها، وإنما هو استعراض لقوة الإسلاميين قبل فعاليات 30 يونيو المرتقبة بقصد إرهاب الشعب المصري في محاولة لدفعه إلى عدم النزول إلى الشارع أو المشاركة في تظاهرات ضد مرسي و«الإخوان».
مشيراً إلى أنّ «الإسلاميين لم يهتفوا لسوريا إلّا قليلاً في الوقت الذي كان هتافهم الأكبر والمستمر للرئيس مرسي لدعمه، وكلما ينطق أحد المتحدثين اسم مرسي يدخل الحاضرون في تصفيق وهتافات مُستمرة».
إرهاب معارضين
في السياق، يوضح المستشار القانوني لجبهة «مناهضة أخونة مصر» طارق محمود، أنّ هدف المؤتمر في الأساس يتمثّل في إرهاب القوى المعارضة وتخويفهم من الإسلاميين في مُحاولة لإبعادهم عن تظاهرات 30 يونيو المرتقبة، قائلاً: «هذه الرسائل التي تحاول جماعة الإخوان البعث بها إلى الشارع، ما هي إلا دليل قاطع على تخوّفهم ورعبهم من متظاهري 30 يونيو.
وأنّ الجماعة ومن معها من فصائل إسلامية مُتحالفة يحبسون أنفاسهم انتظاراً لذلك اليوم خشية نجاح المتظاهرين في إسقاط مرسي، وهو ما يعني ضمور وخفوت المشروع الإسلامي لسنوات طوال، وحرمان باقي الفصائل الإسلامية من الحصول على الفرصة التي حصلت عليها جماعة «الإخوان».
غيبوبة «إخوان»
وتعليقاً على خطاب مرسي أكّد رئيس حزب التجمع سيد عبدالعال، أنّ «جماعة الإخوان المسلمين تعيش الآن غيبوبة»، في حين تدعي التماسك وتحاول في الوقت ذاته التشويش على الأوضاع الراهنة، والتغطية على العجز والفشل وتهاوي الشعبية قائلاً: «هذه هي طبيعة النظم الفاشية والديكتاتورية.
إذ تُحاول دائماً أن تفتعل مناسبات لإظهار أنّ قادتها مازالوا قادرين على الحشد والتأثير واتخاذ قرارات قوية إزاء الملفات المطروحة على الساحة، لكنهم فقط يجمعون أنصارهم ولا يستطيعون أن يجمعوا الشعب المصري الذي يثور الآن ضدهم ويرفض حكمهم بصورة كاملة»، مؤكدًا أنّ «جماعة الإخوان تُحاول القفز على الأزمة السورية الراهنة لتحقيق مكاسب لها على الصعيد الداخلي».
فزّاعة رئيس
وألمح مرسي في كلمته الأخيرة بمؤتمر نصرة سوريا إلى تظاهرات 30 يونيو المرتقبة بقوله: إنّ «أنصار النظام السابق يُحاولون دفع البلاد إلى العنف والفوضى»، مضيفاً: «هؤلاء العابثون أتباع النظام السابق يريدون العنف وتعطيل الحياة والإنتاج وسنأخذهم بكل حسم ولا مجال لهم بيننا»، تصريحات ترجمها البعض على أنّها تُظهر مدى تخوّف مرسي وجماعة الإخوان المسلمين من تظاهرات 30 يونيو.
وأعرب مرسي في ختام كلمته بالمؤتمر عن أنّه يُقدر حرية التعبير عن الرأي، مشيراً إلى أنّ «البعض أساء فهم تلك الحرية»، قائلاً: «لا عنف ولا انجرار إليه ولا نزوع إليه، ولن نسمح بالعنف أبدًا من أي مصدر كان.
وشجب مرسي ما يتردّد بشأن أنّه يتحدّث إلى أهله وعشيرته فقط بقوله: «كل المصريين أهلي وعشيرتي، وأطلب من الجميع تلبية النداء لمناقشة كل القضايا، رفضت قوى المعارضة مراراً وتكراراً الاستجابة للنداء والحوار وأنا أحترم قرارهم، ولديهم أسبابهم الخاصة لعدم تلبية النداء»، موضحاً أنّه من الأفضل أن يتم تعبئة الجهود إلى انتخابات برلمانية جديدة، بدلاً من تعبئتها للهدم، لاسيّما أنّ مصر بدأت طريق التغيير ويجب أن نعطي الفرصة للسياسات والإصلاح، على حد قوله.
خواء فكر
ويشير مراقبون إلى أنّ «تصريحات الرئيس محمد مرسي وآلية تعاطيه مع تظاهرات 30 يونيو المرتقبة تكشف خواءه الفكري من أي إصلاحات حقيقية من شأنها تهدئة المتظاهرين، وتكشف عن العناد والإصرار الكبيرين لمرسي والجماعة في عدم تلبية نداءات القوى السياسية المُتظاهرة ضده»، ما يدفع بتظاهرات أكثر حدة وسخونة خلال أيام من الآن تجعل جموع المصريين على أهبة الاستعداد انتظارًا لتطوّرات سياسية قد تكون خطيرة المدى وقد يكون للجيش دور فيها فيما بعد.
دعم أشقاء
نفى مرسي خلال كلمته في مؤتمر «نصرة سوريا»، أن «تكون مصر غيّرت وجهتها أو رأيها بشأن القضية السورية»، مؤكّدا أنّ «مصر تُقدم الدعم للشعب السوري ولازالت تساند القضية السورية بكل ما أوتيت من قوة»، مُستنكرًا هذا الكم الهائل من الضحايا الذي تشهده سوريا بصورة يومية.
ووصف مرسي الرئيس السوري بشّار الأسد بأنّه ارتكب جرائم كثيرة في سوريا، متابعاً: «مصر تقف صفًا واحدًا مع الشعب السوري حتى ينال حقوقه المشروعة في التحرّر من الاستبداد والظلم، وشعب مصر يدعم نضال الشعب السوري دعمًا ماديًا ومعنويًا، ومصر شعبًا وجيشًا يساند الشعب السوري حتى ينال حقوقه وكرامته وسيادته على أرضه الموحدة الجامعة لكل مقوّمات شعب سوريا العريق».
دمشق: مرسي انضمّ إلى معسكر التحريض على سوريا
قال مصدر مسؤول في سوريا إنّ «الرئيس المصري محمد مرسي انضم إلى جوقة التآمر والتحريض التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد دمشق بإعلانه قطع جميع العلاقات.
ونقلت وكالة الأنباء السورية «سانا» أمس عن المصدر قوله، إنّ «سوريا تدين الموقف المصري غير المسؤول والذي يعكس محاولة مرسي تنفيذ أجندة الإخوان المسلمين هروباً من الاستحقاقات الداخلية القادمة والتي تتطلّبها تطلّعات الشعب المصري الحريص على تحقيق أهداف ثورته الشعبية التي التف عليها مرسي وزمرته من جماعة الإخوان المسلمين»، مشيراً إلى أنّ «سوريا على ثقة كاملة أنّ القرار لا يعبر عن إرادة الشعب المصري».
وأبان المصدر السوري أنّ «قرار مرسي يأتي استكمالا لما أصدره شيوخ الفتنة في ما يسمى باتحاد علماء المسلمين من فتاوى تكفيرية تدعو إلى القتال في سوريا لسفك دماء السوريين بدلاً من توجيه البوصلة نحو تحرير الأرض الفلسطينية المغتصبة وفي مقدمتها القدس الشريف».
معتبراً أنّ «مطالبة مرسي باستدعاء التدخّل الخارجي وإقامة منطقة حظر جوي في الأجواء السورية تشكّل استباحة للمنطقة ومساسا لسيادتها وحرمة أراضيها خدمة لأهداف إسرائيل والولايات المتحدة وأدواتهما في المنطقة».
وأضاف: «كان يفترض أن يضج مرسي بهذه الحماسة وهو يعلن إغلاق سفارة إسرائيل وأن ينتشي وهو يقطع العلاقات مع عدو لا يزال يقتل الشقيق الفلسطيني على مرأى من عين مرسي وعلى مسافة قصيرة من مصر»، مشيراً إلى أنّ مصر العروبة أكبر من أن يحوّلها مرسي إلى مطية لتمرير مشروع تآمري لتبادل الأراضي بين إسرائيل وفلسطين.
وذكر أنّ سوريا تؤكد أنّ الشعبين الشقيقين في سوريا ومصر سيبقيان دائما في خندق واحد من خلال حرصهما المشترك على أن القضية الأساسية والمركزية للامة العربية هي مواجهة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة واستعادة الحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني.
