غالبا ما قيل ان المشاكل الكبرى لعصرنا الحالي لن يتم حلها عبر الخطابات والأصوات الانتخابية ولكن عبر الحديد والدم، نه مبدأ يصدق ولا شك على مشكلة مستقبل الديمقراطية بليبيا..
في الوقت الذي يتركز الانتباه على طول البحر الأبيض المتوسط على النزاع السوري المعقد تصطدم جهود إعادة ليبيا من قبل قادتها المنتخبين بشوكة في طريقها تتمثل في الميليشيات المسلحة التي تتدخل في السياسة.
قرار البرلمان الليبي إخضاع الميليشيات المسلحة بـ«القوة» لسلطة الدولة، بعد مصرع 31 إثر مواجهات في مدينة بنغازي بين متظاهرين محتجين على وجود الميليشيات، وعناصر تابعة لقوة «درع ليبيا 1» التي تتبع وزارة الدفاع بشكل غير مباشر، لا نعتقد ان هذه اللغة الحادة ستجد آذانا صاغية من قبل الميليشيات التي حاصرته واقتحمته اكثر من مرة، واحتلت مقره مما دفع اعضاءه الى عقد جلساتهم لفترة طويلة في خيمة في حديقة مجاورة.
انهيار أمني
القادمون من ليبيا يتحدثون عن حالة انهيار في معظم المرافق الخدمية، وقبل كل هذا وذاك انتشار حالة من الفوضى وانعدام شبه كامل للأمن، واتساع الهوة بين مكونات البلاد القبلية والديموغرافية.
في ظل استمرار عجز الدولة عن فرض سلطتها على كافة نواحي الحياة وهو عجز يعود في جانب كبير منه وبالأساس إلى استمرار فوضى السلاح وتغول الميليشيات المسلحة التي باتت تسعى إلى فرض أحكامها وتوجهاتها السياسية باستخدام القوة ولغة التهديد، بدل السعي للانصهار في منظومة الدولة، وتوفير السبل لإعادة بنائها على الأسس السليمة التي ضحى من أجلها عشرات الآلاف من الليبيين خلال الثورة.
النزول إلى الشارع
الشعب الليبي ضاق ذرعا من تدهور الأوضاع الأمنية في بلاده وضعف الحكومة المركزية، وتغول الميليشيات المسلحة، ولهذا قرر النزول الى الشارع والتصدي لهذه الميليشيات، وأبرزها ميليشيا «درع ليبيا» صاحبة الوجود الأقوى في مدينة بنغازي، حيث تظاهر امام مقراتها مطالبا بحلها.
فيما اعتبرت السلطة الليبية هذه الكتيبة جزءا من القوات الشرعية، واعتمدت عليها في حل بعض النزاعات او التصدي للمحتجين، ولكنها لم تستطع الاستمرار في هذا الموقف وقررت سحب الشرعية عنها، والاستيلاء على مقراتها استجابة لمطالب المحتجين. ولكن هذا الاستيلاء بات شكليا لان هذه الميليشيا أقوى من الجيش الرسمي، وتملك أسلحة فتاكة.
رسالة سياسية
والمؤكد أن تحرك مواطني مدينة بنغازي ودخولهم في مواجهة دامية مع كتيبة «درع ليبيا» يحمل رسالة واضحة لا لبس فيها للحكومة في طرابلس وهي أن وجود مثل هذه الميليشيات بات غير مقبول ولا بد من اتخاذ الاجراءات والقرارات الجريئة المطلوبة لاستعادة الدولة صلاحياتها وسلطاتها كاملة غير منقوصة.
فالشعب الليبي الذي بذل التضحيات الجسام من أجل التخلص من دكتاتورية القذافي ونظامه وعلق الآمال العريضة على ثورته لتحقيق تطلعاته في الحرية والديمقراطية وبناء دولة حديثة تحترم المواطن وفي خدمته، غير مستعد للتفريط في هذه الطموحات. هي رسالة واضحة، على أن تجد الآذان الصاغية والجرأة المطلوبة ممن يهمهم الأمر.
بداية التقسيم
استمرار هيمنة ظاهرةانتشار الميليشيات المسلحة وفرض نفسها كشرطة وجيش مواز للشرطة والجيش النظامي الوليد في معظم المناطق الليبية، من شأنه ليس فقط الإبقاء على حالة الانفلات والانعدام الأمني وسيادة قانون الغاب في البلاد، بل -وهو الأخطر- تعريض كيان الدولة الليبية لمخاطر الفوضى والتقسيم والذي نشهد بعض مؤشراته في عودة الحديث عن استقلال إقليم برقة الغني بالنفط عن الحكومة المركزية.
