منذ معركة بلدة القصير، أدركت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما أن مغادرة موقفها المعروف من الأزمة السورية، باتت اضطرارية. بدأت البحث عن بديل يجمع بين سياسة عدم التدخل الفعال التي اعتمدتها من البداية وبين صيغة توقف الهجوم المضاد. المعركة كانت فاصلة. أطاحت بالمعادلة التي وفّرت للإدارة الغطاء للامتناع عن تسليح المعارضة. هدّدت خيار المؤتمر الدولي الذي وضعت الإدارة ثقلها وراءه، حيث بات أمر انعقاده شبه معدوم وفق معظم التوقعات في واشنطن. ثم إن القصير ليست سوى الحلقة الأولى من جولات مماثلة في حلب ودرعا والمناطق الشرقية، حسب معلومات ميدانية تناقلتها وسائل الإعلام.

طابع العجلة

كل ذلك أضفى طابع العجلة بحيث تحوّلت المراجعة والمداولات التي فرضتها التطورات الميدانية، داخل الإدارة، إلى اجتماعات طارئة لمجلس الأمن القومي؛ في البيت الأبيض الرئيس ونائبه ووزيري الخارجية والدفاع ومدير الاستخبارات المركزية (سي أي ايه) ومستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي ورئيس هيئة الأركان بسببها ألغى كيري زيارته، على أهميتها، التي كانت مقررة الاثنين الماضي إلى إسرائيل ورام الله.

 وأعلنت الخارجية الأميركية أن الوزير سيلتقي نظيره البريطاني، هيغ، في واشنطن (أمس). كما نسب إلى مصادر رسمية قولها بأنه من المتوقع أن ترسو المداولات والمشاورات مع الأوروبيين، على موقف أميركي «جديد»، إزاء الوضع السوري تتضح معالمه اليوم.

في العادة عندما يعقد هذا المجلس جلسات طارئة في لحظة دقيقة من أزمة ناشبة، يخرج بقرار «نوعي» من باب أن المسألة المطروحة تخصّ الأمن القومي. السؤال في واشنطن اليوم: ما هو هذا القرار المرتقب؟ هل هو تسليح المعارضة «المعتدلة» في طروحاتها، حسب التصنيف الأميركي؟ أم عمل عسكري جوي ضد القوات السورية؟ أم فرض منطقة حظر جوي تكون قاعدة تتواجد على أرضها قيادات المعارضة؟

كلها سيناريوات مطروحة منذ أشهر ورفضها البيت الأبيض باستمرار. اعتراض أوباما أنه ليس في وارد الدخول إلى ساحات حروب جديدة في الوقت الذي يطوي فيه صفحات حروب بوش. يؤيده فريق وازن من مرجعيات السياسة الخارجية، مثل رئيس مجلس العلاقات الخارجية ريتشارد هاس ووزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر الذي يقول إنه ليس هناك مبرر استراتيجي واحد للتدخل في سوريا.

لكن الوضع دخل مفترق طرق. حصل فيه انقلاب جعله «سيئاً جدّاً»، بتعبير أحد كبار المسؤولين. والقوى الدافعة باتجاه حمل البيت الأبيض على التخلي عن عزوفه، تتحدث بلغة «الحاجة إلى وقف الزخم الذي حققه النظام السوري مؤخراً وبسرعة لأن عامل الوقت جوهري».

مؤشرات ضبابية

في ظلّ هذا المناخ، لوحظ أن خطاب الإدارة حمل مؤشرات، ولو ضبابية؛ في هذا الاتجاه. لأول مرة يفصل الناطق الرسمي في البيت الأبيض في كلامه بين الدعم الذي يجري الآن بحثه وبين موضوع المؤتمر الدولي. في الآونة الأخيرة، بقي التركيز محصور بالأخير. ومثله فعلت الناطقة الرسمية في الخارجية. كما كان من اللافت أن يشير كلاهما إلى أن «كل الخيارات، ما عدا الاجتياح، مطروحة». جملة غابت عن التصريحات، منذ طرح موضوع المؤتمر.

الذي احتكر التركيز الرسمي. العودة إليها اقتضتها التطورات الأخيرة، كما قالت الخارجية. يصب في هذا المجرى، ما تردّد في واشنطن عن أن وفداً من المعارضة السورية يعتزم زيارة واشنطن بعد أيام. وربما وجهت له دعوة في هذا الخصوص.

بالرغم من كل ذلك، ما زال الاعتقاد الراجح بأنه من الصعب على الرئيس أوباما مغادرة موقفه. وكل الضجة حول اجتماعات مجلس الأمن القومي ربما كانت من مستلزمات الإخراج لموقف مموّه يبدو في ظاهره نوعي لكن في جوهره مازال في دائرة النأي عن الأزمة.

إلاّ في حال كانت في الأمر اعتبارات ضاغطة تفرضها مصلحة أميركية. وفي هذه الحال، يرى مراقبون انه قد تعتمد صيغة تدخّل محدود بالطريقة والزمن، شبيهة بالنسخة الليبية؛ ويتم اتخاذها على أساس واحدة من ذريعتين: أن النظام السوري استخدم الكيماوي وأن واشنطن ثبت لها ذلك الآن، أو من باب أن الأزمة السورية شهدت مؤخراً تدخلاً عسكرياً خارجياً حزب الله أخل بالوضع، مما يبيح التدخل المضاد لإعادة التوازن.

يبقى ذلك في دائرة التحليل والتكهن. لكن الثابت أن الوضع السوري أخذ انعطافة وضعت واشنطن في مأزق.