كسرت الإدارة المصرية الحالية حالة الجمود الذي طرأ على إشكالية أزمة سد النهضة الإثيوبي خلال الأيام القليلة الماضية عبر الأوساط الرسمية المصرية، لتشهد القاهرة مؤخرا نشاطا مكثفا من رأس الدولة ورئيس الحكومة، إذ حمل خطاب الرئيس محمد مرسي ثلاث رسائل تظل حتى الآن في إطارها النظري دون تطبيقات عملية، لكنها في غاية الخطورة في ما يتعلق بملف السد، كما أنه عززت الجدل الدائر منذ وقت حول سياساته.
وفتح مرسي، خلال خطابه مساء أول من أمس في المؤتمر الوطني الشعبي للحفاظ على موارد مصر المائية، باب التخمينات وعزز من حالة الجدل من خلال رسالته الأولى في المؤتمر، والتي أكد خلالها على أن «كل الخيارات مفتوحة!»، وهو تعبير يحمل من المعاني ما يدفع للحديث عن كافة ردود الفعل، بما فيها الرد العسكري والمخابراتي.
كما تحدث مُرسي في رسالته الثانية كذلك عن ضرورة وجود «مصالحة وطنية» بين كافة القوى السياسية من أجل التصدي لما سمّاه بالتحديات التي تواجه مصر، أما عن الرسالة الثالثة فتتعلق بالعلاقات المصرية مع دول حوض النيل وتأكيد الاحترام المتبادل.
غضب نيابي
وفي خضم هذا النشاط الرسمي المصري إزاء أزمة السد الإثيوبي، ألقى رئيس الوزراء هشام قنديل بيانا أمام مجلس الشورى، حدد فيه رؤية الحكومة من أزمة السد وآليات علاج الأزمة، ومطالبة اثيوبيا بالتوقف عن البناء إلا بعد بيان مدى تأثيره على مصر، وهو البيان الذي أشعل فتيل غضب نواب المجلس؛ لأن قنديل رفض فتح باب المناقشة حول بيانه، ما اعتبره النواب مُحاولة لتهميشهم وإقصائهم بالمخالفة للوائح وقوانين المجلس.
تهديد غير مباشر
وقد اعتبر مراقبون هذا النشاط الدائر بالقاهرة مؤخرا، والرسائل التي أرسلتها السلطة، ومعظمها رسائل تحمل جملة من أوجه التفسير، على كونها مثّلت تهديدا غير مباشر للجانب الإثيوبي، في مُحاولة للضغط معنويا ونفسيا عليه، في الوقت الذي اعتبرت فيه القوى الفاعلة بالمشهد المصري ذلك الخطاب جاء لـ«يُغازل المشهد الداخلي»، لجذب تعاطف الناس حوله، وخاصة قبيل تظاهرات 30 يونيو المرتقبة.
ويرى البعض أن الخطاب خرج مشابهاً خطابات الرئيس السابق حسني مُبارك، وهو في مجمله جاء في إطار نظري بجمل إنشائية مُحاطة بآيات قرآنية، خرجت عن تحديد سبل عملية لمواجهة الأزمة، إذ وصف عضو اللجنة الثلاثية لدراسة آثار سد النهضة د.علاء الظواهري الخطاب بأنه «سياسي» في المقام الأول.
خطاب الأهل والعشيرة
بدوره، قال أستاذ فلسفة القانون بجامعة الزقازيق محمد فرحات إن قضايا الأمن القومي لا تناقش في مثل هذه الأجواء شديدة الاحتفالية وباستخدام الإبهار البصري والقاء الأناشيد الدينية، «هذا استخفاف بأمن مصر من منظمي الاحتفال».
وأضاف فرحات تعليقا علي لقاء مرسي بقيادات الإسلام السياسي حول أزمة مياه النيل إن «هذا المشهد الاحتفالي شديد التكلف والاصطناع، هو تكرار ممجوج لمشهد خطبة الاتحادية الشهيرة بين الأهل والعشيرة، ومشهد سيارة القائد المنتصر التي تجوب استاد القاهرة في احتفالات 6 اكتوبر».
تجميل صورة
ويشير مراقبون إلى أن نشاط السلطات الرسمية الأخير هو محاولة من السلطة من أجل تجميل وجهها وصورتها قبيل تظاهرات 30 يونيو، وبالتالي تبدي خوفها وارتباكها الشديد من تلك التظاهرات المرتقبة.
فيما اعتبرت صفحة «أنا آسف يا ريّس»، المُعبرة عن أنصار النظام السابق أن الخطاب كان في مجمله محاولة من مرسي للتأكيد على كونه لا يعمل وحده، خاصة أن الحاضرين للقاء كانوا من الفصائل الإسلامية الملتفة حوله.
مزيد من التوتر
رغم الانتقادات التي أحاطت بلقاء الرئيس المصري محمد مرسي وارتجاله، وما سببه ذلك من إشكاليات قوية في الشارع المصري، إلا أن تلميحه بكون «كل الخيارات مفتوحة»، فضلاً عن النشاط الرسمي لمصر إزاء قضية سد النهضة، هو دليلٌ قاطعٌ على كون الأزمة الحالية العالقة بين الطرفين سوف تشهد المزيد من التوتر، في ظل إصرار الجانب الإثيوبي على أنه «لا تفاوض حول السد».
والذي يواجه إصراراً من الإدارة المصرية بضرورة إيقاف بناء السد إلى حين توضيح مدى تأثيره على دول المصب (مصر والسودان)، في الوقت الذي لم يستبعد فيه رأس الدولة بمصر إمكانية اللجوء للخيار العسكري إن لزم الأمر، بالتأكيد على كون الخيارات كلها مطروحة ومفتوحة أمام الإدارة المصرية.
