أثارت طريقة تعاطي الإدارة المصرية مع أزمة سد النهضة الإثيوبي حالة من الجدل، دفعت للتأكيد أن تلك الإدارة لم تستبعد العمل العسكري لردع إثيوبيا، في وقت يؤكد خبراء أمنيون وعسكريون على أن مصر لا تمتلك المعلومات الكافية لتوجيه تلك الضربة، التي وصفوها بأنها مهمة من أجل استعادة كرامة مصر، فضلاً عن عدم امتلاك القاهرة لتأييد دولي شامل لقضيتها مع إثيوبيا.
«البيان» استطلعت آراء مجموعة من الخبراء العسكريين والأمنيين، الذين أكدوا على كون الخيار العسكري يُعد أحد الحلول المطروحة والقائمة حالياً، خاصة لما يشكله السد من إشكاليات كبرى تتعلق بالأمن القومي المصري، وقد تؤدي مُستقبلاً لحال «حرب أهلية» على نقطة المياه.
مسألة حياة
ويقول المدير الأسبق لمركز الدراسات الإستراتيجية للقوات المسلحة اللواء أركان حرب علاء عز الدين، في تصريحات خاصة لـ«البيان»، إن اللجوء إلى العمل العسكري ضد إثيوبيا هو أمر لابد أن يحدث إذا لم يتراجع الجانب الإثيوبي عن ذلك السد، مشيرا إلى أن ذلك الرد سوف يكون أبلغ من أي رد سلبي آخر يأتي في إطار الشجب والاعتراض، «لأن المسألة الآن هي مسألة حياة»، وتتعلق في المقام الأول بالأمن القومي المصري.
ويضيف اللواء عز الدين «من ضمن تعريفات الأمن القومي أنه حق الدولة في حفظ كيانها والحق في البقاء، والسد الإثيوبي قد تصحبه تأثيرات داخلية وخيمة أيضا في مصر، قد تؤدي إلى نشوب حرب أهلية، عبر حالة الاحتراب على نقطة المياه مستقبلا، فقد يقوم أهالي الصعيد بحجز المياه الواردة إليهم أولاً، ومن ثم تمريرها لباقي المدن، وقد تدخل مصر في دوامة تلك الإشكاليات».
لا جدوى
ويستطرد اللواء عز الدين قائلاً إن «الرئيس مرسي بعث برسائل قوية إلى الجانب الإثيوبي، لما أكد على كون كل الخيارات مفتوحة، لكن تلك الرسائل تظل في محلها النظري إذا لم يكن هناك مقدرة على التنفيذ بالفعل.. إن كل يوم يمر يُشكل خطورة على مصر، وفي حال بناء السد فإن العملية العسكرية ضده سوف تكون لا فائدة منها، وخاصة أنها سوف تؤثر سلبا على السودان».
حتمية استراتيجية
فيما يقول مسؤول عسكري مصري سابق، طالبا عدم كشف هويته، في تصريحات خاصة لـ«البيان» إن القيام بإجراء عسكري ضد إثيوبيا شيء ضروري جدا، وهو حتمية استراتيجية، مُبررا ذلك بـ«كي لا تكون مصر مَطية إلى أي دولة في المنطقة».
ويشير إلى أن دول المنطقة تتجرأ على مصر، وتُحاول انتهاك المواثيق والاتفاقيات الدولية المختلفة، وبالتالي فإن العملية العسكرية المصرية ضد إثيوبيا حال تنفيذها تؤدي في الأساس إلى درء أية مُحاولات لتحقيق تنمية داخلية في أي دولة من دول الجوار الإفريقي على حساب الأمن القومي المصري، كما أنها تؤدي إلى استعادة مصر لمكانتها وكرامتها المُهدرة، مشيرا إلى أن مسألة الدفاع عن الكرامة وعن الحياة أمر لا يحتمل أي تأجيل.
توقيت سيئ
ويوضح الخبير الأمني البارز اللواء طلعت مسلم لـ«البيان» أن الوقت الحالي غير مناسب لإجراء أية عمليات عسكرية ضد إثيوبيا، خاصة أنه لا تتوافر للقيادة المصرية أية معلومات تسهم في تكليل العمل العسكري بنجاح، فلا مصر لديها حدود مع إثيوبيا، ولا لديها معلومات عن تضاريس السد والهيكل الخاص به، وبالتالي فهي مطالبة بالتعاون مع السودان واريتريا.
ويتابع مسلم «لابد أولاً أن تقوم مصر في البداية باتخاذ الطرق الدولية للتنديد بالسد، من خلال التوجه إلى مجلس الأمن، وذلك من أجل كسب تأييد دولي لمصر، قد يسهم فيما بعد ذلك؛ لتبرير أي ضربة عسكرية إلى إثيوبيا». مشيرا إلى أنه في الوقت الحالي ليس هناك تأييد دولي لتلك العملية العسكرية، وبالتالي فالموقف القانوني لها ليس في صالح مصر، وبالتالي على الإدارة المصرية أن تحشد، وتشحن المجتمع الدولي ضد إثيوبيا.
وعود واهية
يؤكد مراقبون على أنه رغم حصول الرئيس المصري محمد مرسي على وعد من السلطات الإثيوبية بعدم المساس بحصة مصر من المياه، إلا أن تلك الوعود تظل لا فائدة منها، ما دامت لم تترجم في اتفاقية رسمية مُبرمة بين الطرفين، مستنكرين في الوقت ذاته محاولات السلطات المصرية للتهدئة، في وقتٍ يجب فيه اتخاذ قرار فوري، خاصة أن هناك تقارير رسمية صادرة بررت خطورة السد على مصر، في الوقت الذي برر فيه البعض محاولات مصر للتهدئة بأن جهاز المخابرات قد يكون قد دخل مباشرة لحل الأزمة.