تتسارع التحضيرات لعقد مؤتمر دولي لتسوية النزاع في سوريا اتفق على تسميته بمؤتمر «جنيف 2» لم يحدد بعد موعد عقده، وسط مواقف دولية متناقضة حيال التدخل في الأزمة السورية وطبيعة ومحاذير هذا التدخل الذي يبدو من خلال المعطيات المتوفرة أنه بعيد المنال.
وجاء المؤتمر في قت لايزال فيه المجتمع الدولي ينظر إلى الأزمة السورية نظرة مرتبكة مترددة وحذرة. فالروس من جانبهم يرون أن تسليح المعارضة يعد مخالفاً للقانون ويزيد في تعقيد الأزمة.
وحذر الرئيس الروسي فلادمير بوتين مؤخرا ان التدخل العسكري سيكون مصيره الفشل وسيؤدي إلى «عواقب إنسانية كبرى» مع نفي تسليم سوريا النظام الدفاعي أرض-جو «اس300» ويمكن ملاحظة ان الرئيس الروسي استخدم كلمة «عواقب انسانية» ولم يقل عواقب سياسية او عسكرية مما يطرح تساؤل حول ردة الفعل الروسية تجاه فرضيات التدخل العسكري الأجنبي في سوريا.
الموقف الروسي
والموقف الروسي تجاه الازمة السورية بني على تقدير الجانب السوري الذي اعتبر كل ما يجري في سوريا مؤامرة خارجية.
كما أنه ضحية لتمحور العلاقات الثنائية بين البلدين حول المجالات العسكرية والأمنية، مما ساهم في تحديد الموقف الروسي الخاطئ من الثورة السورية على حد قول الباحث الروسي المستعرب فلاديمير أحمدوف، كبير الباحثين في معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم الروسية.
في حين يرى ديمتري ترينين من مركز كارنيغي ان موقف روسيا بشأن سوريا يخضع «لمفهومها الخاص للسيادة وحقوق الإنسان، واستخدام القوة، ورفض تغيير الأنظمة من خارج» لوقف اي محاولة دولية مستقبلية للتدخل في الشأن الشيشاني.
الموقف الصيني
وتتردد الصين حاليا في الاصطدام مع الغرب حول القضايا التي لا تؤثّر على مصالحها الاقتصادية المباشرة. لكن الصين عارضت بالتعاون مع روسيا القرارات الأميركية ضد سوريا في مجلس الامن، وامتنعت الصين عن الدخول في جدلٍ معلن مع الغرب بشأن سوريا.
وردّاً على ذلك، عمد الأميركيون والأوروبيون إلى عدم توجيه اللوم إلى بكين، وركَّزوا انتقاداتهم على موسكو وحدها. وتدرك الصين انها بدعمها للتدخل الأجنبي في سوريا تؤسس سابقة تتيح لخصومها الغربيين التدخل في شؤونها الداخلية مستقبلاً بحجة حماية الحريات وحقوق الإنسان وحياة المدنيين فيما لو انتفض الصينيون ضد حكومتهم يوما.
الولايات المتحدة
بدورها تبدي الولايات المتحدة تردداً حيال الملف السوري ويعود ترددها أولاً، الى الحضور الذهني الدائم للتجربة العراقية والافغانية ومؤخرا الليبية، التي انتهت بمقتل السفير الأميركي في بنغازي.
وثانياً، الخوف من الجهاديين ووقوع السلاح في أيدي المجموعات الإسلامية المتطرفة والتي قد توجه سلاحها الى الولايات المتحدة واسرائيل بعد سقوط نظام الاسد. وثالثاً: سن الكونغرس تشريعاً لا يسمح للرئيس منفرداً باستخدام القوة تجاه سوريا ولا إعلان الحرب عليها.
ورابعاً، تزايد المخاوف من أن انهيار الحكومة السورية قد يؤدي إلى حرب أهلية وقتال ذي خلفيات دينية أو إثنية أو عرقية قد تتمدد خارج حدود سوريا، هذه المخاوف تزامنت مع تشتت المعارضة السورية والأزمة المالية التي تمر بها الولايات المتحدة وتعهد اوباما بالتركيز على الامور الداخلية حل الازمات الدولية في إطار منظومة تعاون دولية وإقليمية.
وعلى الرغم من الخطوط الحمراء لم يتخذ أوباما خطوات على ارض الواقع ضد النظام. وأخيرا شخصية وزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي يحاول إرساء مفهوم التغيير الناعم والتفاوض لحل الازمة من خلال مؤتمر «جنيف2».
مواقف أوروبا
أما وزراء الخارجية الأوروبيون فاتفقوا في اجتماعهم الاخير على رفع حظر تصدير السلاح الاوروبي الى قوات المعارضة إلا أن خلافاتهم الداخلية واعتراض النمسا وألمانيا عليه علقا تنفيذ القرار لغاية اغسطس القادم، وهي محاولة الغرض منها خلق آلية ضغط على الحكومة السورية لإنجاح مؤتمر «جنيف2».
ولم يحمل القرار الاوروبي في حقيقة الأمر أي جديد من الناحية الواقعية، خاصة ان رفع الحظر لا يعني تسليم الأسلحة بقدر ما هو محاولة اوروبية للتغطية على خلافاتها العميقة بشأن التعامل مع المعارضة السورية.
وتقود بريطانيا وفرنسا وقبرص فريقا يرى انه هناك حاجة الآن لتزويد المعارضة السورية بالسلاح لإعادة التوازن بين النظام الذي تزوده روسيا وإيران بأسلحة ثقيلة والمعارضة التي تقاتل بأسلحة خفيفة.
كما ان الاسلحة «ستخلق حالة توازن» على أرض الواقع ضد قوات الأسد والمجموعات الإسلامية المتطرفة على رأسها «جبهة النصرة» المرتبطة بتنظيم القاعدة.
على الرغم من تأجيل بدء تنفيذ قرار التسليح الا ان الدلائل تشير الى ان بريطانيا وفرنسا ستنفذان تهديداتهما بدعم المعارضة السورية بشكل منفرد خارج اطار الاتحاد الاوروبي وهو سلوك اعتادت الدول الاوروبية على سلوكه.
وستستغل الدولتان عدم وجود تعريف صريح لطبيعة الأسلحة المسموح بإرسالها للمعارضة خاصة ان القرار الأوروبي لم يعرف طبيعة «الدعم الفني» الذي سيقدم لحماية المدنيين.
ولكن الحماس البريطاني لدعم المعارضة السورية بالسلاح الفتاك يواجه عدة تحديات داخلية على رأسها المعارضة الشعبية البريطانية، حيث يتساءل مقدمو البرامج الحوارية كيف لبريطانيا ان تحارب الارهاب على أراضيها وفي نفس الوقت ترسل فيه قنابل وأسلحة فتاكة الى تنظيم عسكري سوري مرتبط بتنظيم القاعدة؟ ويشير تعدد وتشتت مواقف اللاعبين الى ان مصير الشعب السوري خرج من يده وأصبح رهينة لمصالح القوى الدولية.
وبعد الانهاك وتدمير المقدرات قد يكون هناك اتفاق جديد على غرار اتفاق «دايتون للسلام» الذي وضع حدا للصراع المسلّح الذي استمر اربع سنوات في البوسنة والهرسك.
رأي عام يعارض تسليح الجيش الحر
كشفت استطلاعات الرأي الاخيرة عن عدم تقبل الرأي العام البريطاني فكرة التدخل البريطاني العسكري في سوريا حتى في حال تأكيد استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية.
حيث دعم 72 في المئة من المستطلعين مبدأ التدخلً الانساني غير العسكري في سوريا، ولم تتغير هذه النسبة بشكل كبير حتى مع فرضية استخدام سوريا الأسلحة الكيميائية.
وتشكل النمسا وألمانيا والسويد وفنلندا ورومانيا وجمهورية التشيك فريقاً يعارض تسليح المعارضة السورية.
ويعتبر هذا الفريق تسليح المعارضة السورية بالسلاح مخالفة لطبيعة الاتحاد الأوروبي باعتباره قوة سلام كما أنه يؤدي إلى سباق على التسليح في سوريا. وأخيراً، يعرض حياة المراقبين الدوليين في مرتفعات الجولان للخطر كما يعتقد وزير الدفاع النمساوي جيرالد كلوج الذي هدد مؤخرا بسحب جنوده من قوات حفظ السلام في مرتفعات الجولان السورية في حالة تسليح المعارضة السورية.
موقف أشتون
تقود كاثرين اشتون مفوضة السياسة الخارجية بالاتحاد الاوروبي الفريق الأخير المتحفظ على الرفع المباشر لحظر الاسلحة على سوريا، واقترحت اشتون تخفيف الحظر ضمن شروط معينة مرتبطة بمراقبة الأسلحة وتحديد مهلة لعدم التأثير في مؤتمر «جنيف 2». البيان