لا حديث هذه الأيام في تونس سوى مشروع الدستور الذي تريد من خلاله حركة النهضة التي تقود الائتلاف الحاكم في البلاد تمريره لتكريس «أخونة» الدولة من جهة وما خلفته أحداث جبل الشعانبي الأمنية من جهة أخرى من تداعيات وصلت إلى حد الدعوة إلى إقالة القيادات العسكرية وخاصة القائد العام للجيوش الجنرال رشيد عمار، الذي بلغ سنّ التقاعد وتم التمديد له بعامين من قبل الرئيس المنصف المرزوقي، وهي الدعوة التي أطلقت لأول مرة بعد الثورة وتعطي إمكانية الاقتراب من المؤسسة العسكرية وانتقادها والتدخل في شؤونها بعد أن كان ذلك شبه محرّم على السياسيين والإعلام.
وفي هذا الإطار، اعتبر الأمين العام لحركة النهضة حمادي الجبالي ان المؤسسة الأمنية والعسكرية تتعرض اليوم للمزايدات السياسية، داعيا جميع الأطراف السياسية الى الابتعاد عن استهداف كلتا المؤسستين وعدم الزج بهما في الصراعات السياسية على حد تعبيره.
وأكد أن الدولة بكل مؤسساتها لن تقبل من يحمل السلاح في وجهها، داعياً إلى التصدي إلى كل من يهدد سلامة الأمن العام للبلاد مهما كان توجهه على حد تعبيره.
واستنكر الجبالي إقحام المؤسسة العسكرية في هذا الظرف، مشيرا الى أن توظيفها والتقليل من شأنها يعد خطا أحمر، وأن من يعمل على ذلك يسعى إلى بث الفوضى في البلاد على حد قوله.
وضع مقلق
من جهته، اعتبر نائب رئيس حركة النهضة عبدالفتاح مورو أن الوضع أصبح مقلقا ويبعث على الحيرة ويتطلّب المزيد من الصرامة، متسائلاً عن جدوى القرار السياسي الذي اعتبره «غير واضح ومعقّد»، ممّا أدّى إلى هذه الأوضاع.
وتحدّث مورو عن مدى قدرة الجيش الوطني على التعامل مع الأحداث الإرهابيّة بقوله «هل لدينا جيش عاجز أم ماذا؟ فنحن عاجزون عن الفهم»، وذلك في تعليق على تصريح الناطق الرسمي لوزارة الدفاع مختار بن نصر الذي قال إنّ وسائل المجموعات الإرهابيّة بدائيّة.
الإرهاب حقيقة
من جهته، قال رئيس حركة نداء تونس الباجي قايد السبسي إن الإرهاب أصبح حقيقة في تونس بسبب تهاون الحكومة في مواجهة من يمارسون العنف.
وأكّد السبسي أن مقاومة ظاهرة الارهاب تكون بمزيد دعم وحدة وتماسك الشعب التونسي وليس بتفكيكه وتمزيقه، مشيرا إلى أن مواجهة الارهاب تقتضى التراجع عن قانون العزل السياسي الذي تقدمت به حركة النهضة وعدد من حلفائها الى المجلس التأسيسي.
وفي حين دعا السبسي إلى توحيد الصفوف، حمّل رئيس المرصد العربي للأديان والحريات محمد الحدّاد، الحكومة التونسية التي تقودها حركة النهضة مسؤولية تفشي ظاهرة الإرهاب، مفسّراً ذلك بافتقادها رؤية سياسية وخطابا واضحا تجاه الجماعات المتشدّدة التي اشتدّ عودها خلال الأشهر الأخيرة.
المسؤول الأكبر
وشدّد الحدّاد على أنّ وزارة الشؤون الدينية هي المسؤول الأكبر عن هذا المنزلق الخطير الذي دخلت في أتونه البلاد، نتيجة التهاون والتقصير في إدارة المساجد التي أضحت فضاء حاضنا للأفكار المتطرفة والغريبة عن كنه ومبادئ ديننا الإسلامي الحنيف.
وأوضح أنّه لا سبيل إلى التحاور مع من رفع السلاح في وجه الشعب التونسي الذي دعاه محدّثنا إلى اليقظة والتحلي بروح المسؤولية الوطنية من أجل التصدي للجماعات الخارجة على سلطة القانون الذي غضّت عنه بعض الأطراف السياسية النظر تغليباً لمصالح سياسية وحسابات انتخابية ضيّقة.
جدل مستمر
سياسياً، يتواصل الجدل حول مشروع الدستور الجديد، حيث صرّح رئيس الحكومة علي العريّض خلال زيارته إلى ألمانيا، أن «المجلس التأسيسي أعدّ مسودّة الدستور الذي من المتوقّع أن تتم المصادقة عليه بأكثر من الثلثين، لأنّه دستور يضمن الحقوق والحريّات التي هي من روح الشعب التونسي الذي عانى من الديكتاتورية عقوداً فولّد لديه ارتباطاً بالحريّة، لأنّه يعرف معناها ومعنى الحرمان منها».
امتداد للفكر الإخواني
وقالت النائبة سامية عبّو إنّ عددا من أعضاء لجنة السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والعلاقة بينهما يقفون ضدّ تحرّك نواب اللجنة إزاء قرار رئيس المجلس بعقد اجتماع اللجنة بشكل غير قانوني، مشيرة أنّ هؤلاء النواب هم أعضاء من حركة النهضة وكل من صار معهم مؤخرا، على حدّ قولها.
واعتبرت عبو أن الخطوة الوحيدة المتبقية أمام تمرير مشروع الدستور للمصادقة عليه في الجلسة العامة هو تقرير لجنة السلطتين، وهي الخطوة التي ستحسم مسيرة أجيال تونس وتاريخها.
وأكّدت عبّو أنّ مشروع الدستور هو مشروع حركة النهضة دوّن بكلّ أسسّه، وهو امتداد للفكر الإخواني.
في هذه الأجواء، أكّد حزب المؤتمر من أجل الجمهورية في بيان أن المسودة الأخيرة للدستور تضمنت عدداً من التوافقات التي تم التوصل إليها رغم أنها لم تخل من نواقص واختلالات يعترض عليها.
ودعا الحزب إلى مراجعة الباب المتعلق بالأحكام الانتقالية باعتباره ليس محل توافق، ومراجعة باب الحقوق والحريات في اتجاه إلغاء عدد من الضوابط حسب ما ورد في نص البيان.
عدم توازن
في قراءة قانونية لفصول الدستور التونسي الجديد، قال رئيس الهيئة العليا السابقة لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، عياض بن عاشور إنّ مشروع الدستور به من الإيجابيات ما يجعله مقبولاً، خاصّة أنّه يحتوي رؤية ديمقراطيّة لكنّ الأحكام الانتقالية الواردة به، حسب رأيه، تشكّل عائقاً وتتطلّب عدم المصادقة عليه وختمه من قبل الرؤساء الثلاثة إلى حين النّظر فيها وتعديلها.
مدنية الدولة
تطرّق أستاذ القانون الدستوري في تونس غازي الغرايري إلى قضية مدنيّة الدولة.
وقال إنّه بعد أسابيع من النقاش وبعد التأثّر بمطالب جميع الأطراف ورغم التحسّن الملموس إزاء هذا الموضوع في فصول الدستور الجديد بإقحام بعض التعديلات على غرار ما حدث بالتوطئة والإشارة إلى مدنية الدولة، فإنّ بعض الفصول تستدعي الانتباه وتستوجب رفع اللبس خاصة في ما يتعلق بالفصل 6 والفصل 141 الذي يطرح تساؤلاً حول مدى الاقتناع بالدولة المدنيّة.