«عادت ريما إلى عادتها القديمة» كما تقول الأمثال، جوبا والخرطوم عدوان لدودان مجدّداً قبل أن يجف حبر الاتفاقات التي وقعاها في أديس أبابا وتصل أول قطرة نفط جنوبي إلى موانئ الشمال، ومعها تبدّدت أمال شعبين عانيا العوز وشظف العيش، غالطت أحلامهما «إرادة السياسة» عبر قرار رئاسي سوداني ألقاه الرئيس عمر البشير فحواه: أوامر لوزير النفط السوداني بوقف تصدير النفط الجنوبي عبر الشمال، ما يجعل شبح التوتّر والمواجهة بين الجارين إلى أرض الواقع أقرب.

ورغم من أنّ الرئيس السوداني عمر البشير أكّد أنّ القرار تمّ اتخاذه بعد دراسة متأنية لكل التبعات والآثار المتوقعة، إلّا أنّ انعكاسات عدة وبلا شك ستلقي بظلالها علي المستقبل القريب للعلاقة بين الخرطوم وجوبا التي يمثّل انعدام الثقة جوهرها الأساسي، إذ تتمثّل أولى هذه الانعكاسات في جعل جميع اتفاقيات التعاون الموقعة بين البلدين بالعاصمة الاثيوبية أديس أبابا في «مهب الانهيار».

لاسيّما تنفيذ الاتفاقيات التي أُبرمت مؤخّراً بين دولتي السودان والتي سيكون ملف الترتيبات الأمنية الذي يتصدر الاتفاقات عرضة للانهيار، ما يجعل خيار المواجهة العسكرية وارداً وذلك من خلال قراءة توجيهات البشير بفتح معسكرات التدريب للشباب استعدادا للجهاد، بجانب أنّ الاتهامات بمواصلة دعم متمردي الجبهة الثورية التي تقاتل الجيش الحكومي في عدة مناطق وحدها تكفي لصب الزيت علي نيران التوتر، إذ تقول الخرطوم إنّها تمتلك الأدلة الدامغة على تسليح حكومة جنوب السودان المتمردين فيما تتمسّك جوبا بنفيها القاطع ورفضها الاتهامات.

احتمالات مواجهة

ولا تزال بقية اتفاقات التعاون بين «الإخوة الأعداء» تراوح مكانها لارتباطها بالملف الأمني وفك الارتباط بين الحركة الشعبية الحاكمة في الجنوب والحركة الشعبية قطاع الشمال التي تحارب في جنوب كردفان والنيل الأزرق، إذ لم ينفّذ من تلك الاتفاقيات علي أرض الواقع سوى النذر اليسير، لاسيّما وأنّ هناك قضايا جوهرية في الخلاف بين البلدين لم يحسم أمرها بعد مثل قضية ترسيم الحدود وحسم مناطق النزاع فيها، ما يجعل خيار الحرب وارداً بين الدولتين.

خاصة بعد التوتر الذي طرأ علي قضية ابيي خاصة بعد مقتل ناظر قبيلة دينكا نوك بالمنطقة السلطان كوال دينق مطلع مايو الماضي، إذ ظلت أصابع اتهام جوبا تشير إلى الخرطوم باعتبار أنّ الذين نفذوا عملية الاغتيال من أفراد قبيلة المسيرية الموالية لحكومة السودانية، فضلًا عن رفض الخرطوم إقامة استفتاء المنطقة وفقا لقرار الاتحاد الافريقي في أكتوبر المقبل بحجة أنّ هذا التوقيت غير مناسب لقبيلة المسيرية الرعوية دائمة الترحال.

تضعضع اقتصادين

وحال النظر إلى انعكاسات قرار إغلاق أنبوب النفط من الناحية الاقتصادية، فإنّ البترول وحسب المراقبين يمثّل الشريان الرئيسي لتغذية اقتصادي البلدين، حيث عصفت رياح الضوائق الاقتصادية بالأسواق خلال فترة توقّف النفط، وأوشكت أن تؤدي بهما بعد أن حطّمت معدّلات التضخم أرقاما قياسية في كلاً من الخرطوم وجوبا، فضلاً عن انعكاسات مباشرة فيما يتعلق بأسعار العملات الوطنية مقابل الدولار، إذ أثبتت التجارب طيلة فترة الخلاف حول النفط الجنوبي أنّ أي تطوّر سلبي أو إيجابي ينعكس علي أسواق العملات.

وفي هذه الأجواء المضطربة يستغل تجار النقد الأجنبي في السوق السوداء تذبذب العلاقة بين الخرطوم وجوبا للتحكّم في أسعار العملة الأميركية، الأمر الذي يجعل كل التوقعات تشير إلى أنّ الجنيه السوداني سيشهد مقبل الأيام تراجعاً مريعا بعد بدأ في التعافي، كما أنّ توقّف الحركة تجارية على حدود البلدين بعد نشاط استثنائي خلال شهور يبقى أمراً ورداً وبقوّة.

انهيار نظام

ولعل أكثر ما يزيد الأمور تعقيداً راسخ قناعات كبار سياسيين ومواطنين من الدولتين بعدم إمكانية تحسّن العلاقات بينهما ما لم يتم تغيير أحد النظامين الحاكمين المؤتمر الوطني في السودان والحركة الشعبية في الجنوب، إذ يظهر ذلك جلّياً في رأي قيادي الصف الأول بالحركة الشعبية الحاكمة في الجنوب لوكا بيونق الذي يشير إلى أنّ «غالبية سكان جنوب السودان مقتنعون الآن وبما لا يدعُ مجالاً للشك أنّهم لن يستطيعوا إقامة علاقات طيبة مع السودان في ظل حكم البشير»، مشيراً إلى أنّه «أصبح من الواضح الآن أنَّ بترول الجنوب لن يتدفق بطريقة سلسة عبر السودان لأنَّ القرار النهائي المُتعلق به يعتمد على سلوك الرئيس البشير الخاطئ والذي لا يمكن التنبؤ به».

 

إخطار جار

قال مسؤول كبير بشركة نفط في جنوب السودان، أمس: إنّ «السودان أخطر دولة الجنوب بإغلاق خط أنابيب النفط الذي يستخدم في تصدير الخام من حقول الجنوب».

وأردف جون سيماسونا، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لـ«بتروساوث سودان»، في تصريحات لوكالة «رويترز»: «أخطرونا بأن خط الأنابيب مغلق الآن، ننتج منذ شهر تقريباً والنفط وصل الميناء السوداني بالفعل».

وكان الرئيس السوداني عمر حسن البشير، أمر بوقف كل صادرات نفط جنوب السودان اعتباراً من اليوم، متهماً جارته غير المطلة على منافذ بحرية بدعم متمردين على أراضيه، ما يضع البلدين مجدداً على حافة المواجهة بعد شهور من السلام النسبي. جوبا ــ رويترز